فهرس الكتاب
فقد تَضَمَّنَتْ هذه الأحاديثُ فَضْلَ هذه الكلماتِ الأربعِ التي هي أَفضلُ الكلامِ، وهي: سُبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ.
فأما الحمدُ للهِ، فاتَّفَقَت الأحاديثُ كلُّها على أنه يَملأُ الْمِيزانَ، وقد قيلَ: إنَّه ضَرْبُ مَثَلٍ، وإن المعنى: لو كان الحمدُ جِسْمًا لَمَلَأَ الْمِيزانَ، وقيلَ: بل اللَّهُ عزَّ وجلَّ يُمثِّلُ أعمالَ بني آدمَ وأقوالَهم صُوَرًا تُرى يومَ القيامةِ وتُوزَنُ، كما قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (( يَأْتِي الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَقْدُمُهُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ) ).
وقالَ: (( كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ) ).
وقالَ: (( أَثْقَلُ مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ ) )، وكذلك المؤمِنُ يأتيهِ عَمَلُه الصَّالِحُ في قَبْرِه في أَحسنِ صُورَةٍ، والكافرُ يأتيه عملُه في أَقبحِ صورةٍ، ورُوِيَ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصِّيامَ وأعمالَ الْبِرِّ تكونُ حَوْلَ الْمَيِّتِ في قبرِه تُدافِعُ عنه، وأنَّ القرآنَ يَصْعَدُ فيَشْفَعُ له.
وأمَّا سُبحانَ اللَّهِ، ففي روايةِ مسلمٍ: (( سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ -أوْ تَمْلَآنِ- مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) )، فَشَكَّ الرَّاوِي في الذي يَملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ: هل هو الكلمتانِ أو إحداهما؟ وفي روايةِ النَّسائيِّ وابنِ مَاجَه: (( التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) )، وهذه الرِّوايةُ أَشْبَهُ، وهل المرادُ أنَّهما معًا يَمْلآنِ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ، أو أنَّ كُلًّا منهما يَملأُ ذلك؟ هذا مُحْتَمَلٌ. وفي حديثِ أبي هُريرةَ والرَّجُلِ الآخرِ أنَّ التَّكبيرَ وَحْدَه يَملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ.
وبكلِّ حالٍ فالتَّسبيحُ دونَ التَّحميدِ في الفضلِ كما جاءَ صريحًا في حديثِ عليٍّ، وأبي هُريرةَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، والرَّجُلِ مِن بني سُلَيْمٍ: أنَّ التَّسبيحَ نصفُ الْمِيزانِ، والحمدُ للهِ تَمْلَؤُه، وسببُ ذلك أنَّ التَّحميدَ إثباتُ المحامِدِ كلِّها للهِ، فدَخَلَ في ذلك إثباتُ صفاتِ الكمالِ ونُعوتِ الجلالِ كلِّها، والتَّسبيحُ هو تَنزيهُ اللَّهِ عن النَّقائصِ والعُيوبِ والآفاتِ، والإِثباتُ أَكْمَلُ مِن السَّلْبِ، ولهذا لم يَرِدِ التَّسبيحُ مُجَرَّدًا، لكنْ مقرونًا بما يَدُلُّ على إثباتِ الكمالِ، فتارةً يُقْرَنُ بالحمدِ، كقولِ: سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه وسُبحانَ اللَّهِ والحمدُ للهِ، وتارةً باسمٍ مِن الأسماءِ الدَّالَّةِ على العَظمةِ والجلالِ، كقولِه: سبحانَ اللَّهِ العظيمِ، فإنْ كان حديثُ أبي مالكٍ يَدُلُّ على أنَّ الذي يَملأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ هو مجموعُ التَّسبيحِ والتَّكبيرِ، فالأمرُ ظاهرٌ، وإن كان المرادُ أنَّ كُلًّا منهما يَملأُ ذلك، فإنَّ الْمِيزانَ أوسعُ ممَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ، فما يَملأُ الْمِيزانَ هو أكبرُ ممَّا يَملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرض، ويَدُلُّ عليه أنَّه صَحَّ عن سَلمانَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قالَ: يُوضَعُ الْمِيزانُ يومَ القِيامةِ، فلو وُزِنَ فيه السَّماواتُ والأرضُ لوَسِعَتْ، فتقولُ الملائكةُ: يا ربِّ لِمَن تَزِنُ هذا؟ فيقولُ اللَّهُ تعالى: لِمَن شِئْتُ مِن خَلْقِي، فتقولُ الملائكةُ: سُبحانَك ما عَبَدْناكَ حقَّ عِبادتِك. وخَرَّجَه الحاكمُ مَرفوعًا وصَحَّحَه، ولكنَّ الموقوفَ هو المشهورُ.
وأمَّا التَّكبيرُ، ففي حديثِ أبي هُريرةَ والرَّجُلِ مِن بني سُليمٍ أنه وَحْدَه يَملأُ ما بينَ السَّماواتِ والأرضِ، وفي حديثِ عليٍّ أنَّ التكبيرَ مع التَّهليلِ يَملأُ السَّماواتِ والأرضَ وما بينَهُنَّ.
وأما التَّهليلُ وَحدَه، فإنَّه يَصِلُ إلى اللَّهِ مِن غيرِ حِجابٍ بينَه وبينَه. وخَرَّجَ التِّرمِذيُّ مِن حديثِ أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، قالَ: (( مَا قَالَ عَبْدٌ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوابُ السَّمَاءِ، حَتَّى تُفْضِيَ إِلَى الْعَرْشِ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَباَئِرُ ) ).
وقالَ أبو أُمامةَ: ما مِن عبدٍ يُهَلِّلُ تَهليلةً، فيُنَهْنِهُها شيءٌ دونَ العرشِ. ووَرَدَ أنه لا يَعْدِلُها شيءٌ في الْمِيزانِ في حديثِ البِطاقةِ المشهورِ، وقد خَرَّجَه أحمدُ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وفي آخِرِه عندَ الإِمامِ أحمدَ: (( وَلاَ يَثْقُلُ شَيْءٌ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ).