فهرس الكتاب
وهي في الآخِرةِ نورٌ للمؤمنينَ في ظُلماتِ القِيامةِ، وعلى الصِّراطِ، فإنَّ الأنوارَ تُقَسَّمُ لهم على حَسَبِ أعمالِهم. وفي (المسنَدِ) و (صحيحِ ابنِ حِبَّانَ) عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أنه ذَكَرَ الصلاةَ، فقالَ: (( مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا، كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلاَ نَجَاةٌ وَلاَ بُرْهَانٌ ) ).
وخَرَّجَ الطَّبرانيُّ بإسنادٍ فيه نَظَرٌ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (( مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي جَمَاعَةٍ، جَازَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ اللَّامِعِ فِي أَوَّلِ زُمْرَةٍ مِنَ السَّابِقِينَ، وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ) ).
وأمَّا الصَّدقةُ، فهي بُرهانٌ، والْبُرهانُ: هو الشُّعاعُ الذي يَلِي وَجْهَ الشَّمسِ، ومنه حديثُ أبي موسى أنَّ رُوحَ المؤمنِ تَخرُجُ مِنْ جَسَدِه لها بُرهانٌ كبُرهانِ الشَّمسِ، ومنه سُمِّيَت الحُجَّةُ القاطعةُ بُرهانًا، لوُضوحِ دَلالتِها على ما دَلَّتْ عليه، فكذلك الصَّدقَةُ بُرهانٌ على صِحَّةِ الإيمانِ، وطِيبُ النَّفسِ بها علامةٌ على وُجودِ حلاوةِ الإِيمانِ وطعمِه، كما في حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ مُعاويةَ الغاضِريِّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: (( ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ طيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ ) )وذَكَرَ الحديثَ، خَرَّجَه أبو داوُدَ.
وقد ذَكَرْنَا قَريبًا حديثَ أبي الدَّرداءِ فيمَن أَدَّى زَكاةَ مالِه طَيِّبَةً بها نفسُه، قالَ: وكان يقولُ: لا يَفعلُ ذلك إلا مؤمنٌ. وسببُ هذا أنَّ المالَ تُحِبُّه النُّفوسُ، وتَبْخَلُ به، فإذا سَمَحَتْ بإخراجِه للهِ عزَّ وجلَّ دلَّ على صِحَّةِ إيمانِها باللَّهِ ووَعدِه ووَعيدِه، ولهذا مَنَعَت العربُ الزَّكاةَ بعدَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وقاتَلَهم الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ على مَنْعِها، والصَّلاةُ أيضًا بُرهانٌ على صِحَّةِ الإِسلامِ.
وقد خَرَّجَ الإِمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ مِن حديثِ كعبِ بنِ عُجْرَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قالَ: (( الصَّلاَةُ بُرْهَانٌ ) ).
وقد ذَكَرْنَا في شرْحِ حديثِ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ) )أنَّ الصَّلاةَ هي الفارِقَةُ بينَ الكفرِ والإِسلامِ، وهي أيضًا أوَّلُ ما يُحاسَبُ به الْمَرءُ يومَ القِيامةِ، فإن تَمَّتْ صلاتُه، فقد أَفْلَحَ وأَنْجَحَ، وقد سَبَقَ حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو فيمَن حافظَ عليها أنَّها تكونُ له نُورًا وبُرهانًا ونَجاةً يومَ القِيامةِ.
وأمَّا الصَّبرُ، فإنَّه ضِياءٌ، والضِّياءُ: هو النُّورُ الذي يَحْصُلُ فيه نوعُ حَرارةٍ وإحراقٍ كضياءِ الشَّمسِ بخِلافِ القمَرِ، فإنَّه نورٌ مَحْضٌ، فيه إشراقٌ بغيرِ إحراقٍ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] ومِن هُنا وَصَفَ اللَّهُ شريعةَ موسى بأنَّها ضياءٌ، كما قالَ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرقَانَ وَضِيَاءً وذِكْرًا لِلمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] وإن كان قد ذَكَرَ أنَّ في التَّوراةِ نورًا كما قالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44] ، ولكنَّ الغالبَ على شَريعتِهم الضِّياءُ لِمَا فيها مِنَ الآصارِ والأغلالِ والأثقالِ.
ووَصَفَ شريعةَ محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بأنَّها نورٌ لِمَا فيها مِن الحَنيفيَّةِ السَّمْحَةِ، قالَ تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] وقالَ: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .
ولَمَّا كان الصَّبرُ شاقًّا على النُّفوسِ، يَحتاجُ إلى مُجاهَدَةِ النَّفسِ وحَبْسِِها، وكَفِّها عمَّا تَهواهُ، كان ضياءً فإنَّ معنى الصَّبرِ في اللغةِ: الحبسُ، ومنه قَتْلُ الصَّبرِ: وهو أن يُحْبَسَ الرَّجلُ حتى يُقتلَ.
والصَّبرُ المحمودُ أنواعٌ: