فهرس الكتاب
وخابَ مَن دَسَّاها بالمعاصي، فالطَّاعةُ تُزَكِّي النَّفْسَ وتُطَهِّرُها، فتَرتَفِعُ، والمعاصي تُدَسِّي النَّفْسَ، وتَقْمَعُها، فتَنخفِضُ، وتَصيرُ كالذي يُدَسُّ في التُّرَابِ.
ودَلَّ الحديثُ على أنَّ كلَّ إنسانٍ فهو ساعٍ في هَلاكِ نفسِه، أو في فِكاكِها، فمَن سَعَى في طاعةِ اللَّهِ، فقد باعَ نفسَه لِلَّهِ، وأَعْتَقَها مِن عذابِه، ومَن سَعَى في مَعصيةِ اللَّهِ، فقد باعَ نفسَه بالهوانِ، وأَوْبَقَها بالآثامِ الْمُوجِبَةِ لغَضَبِ اللَّهِ وعِقابِه، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} إلى قولِه: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] ، وقالَ تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] ، وقالَ تعالى: {قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15] .
وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عن أبي هُرَيرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم حينَ أُنْزِلَ عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] : (( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) )، وفي روايةٍ للبُخاريِّ: (( يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، يَا عَمَّةَ رَسولِ اللَّهِ، يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنَ اللَّهِ، لاَ أَمْلِكُ لَكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) ).
وفي روايةٍ لمسلِمٍ أنَّه دَعَا قُريشًا، فاجْتَمَعوا، فعَمَّ وخَصَّ، فقالَ: (( يَا بَنِي كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) ).
وخَرَّجَ الطَّبرانيُّ والخَرَائطيُّ مِن حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ مَرفوعًا: (( مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ أَلْفَ مَرَّةٍ، فَقَدِ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالى، وَكَانَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ ) ).
وقد اشْتَرَى جَماعةٌ مِن السَّلَفِ أنفسَهم مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ بأموالِهم، فمِنهم مَن تَصَدَّقَ بِمَالِه كحبيبٍ أبي محمَّدٍ، ومِنهم مَنْ تَصدَّقَ بوَزْنِه فِضَّةً ثلاثَ مرَّاتٍ أو أربعًا، كخالدٍ الطَّحَّانِ.
ومِنهم مَن كان يَجتهدُ في الأعمالِ الصَّالحةِ ويقولُ: إنَّما أنا أسيرٌ أَسْعَى في فِكاكِ رَقَبَتي، منهم عمرُو بنُ عُتبةَ، وكان بعضُهم يُسَبِّحُ كلَّ يومٍ اثنَيْ عشرَ ألفَ تَسبيحةٍ بقَدْرِ دِيَتِه، كأنه قد قَتَلَ نفسَه، فهو يَفْتَكُّها بدِيَتِها. قالَ الحسَنُ: المؤمنُ في الدُّنيا كالأسيرِ، يَسْعَى في فِكاكِ رَقَبَتِه، لا يَأمنُ شيئًا حتَّى يَلْقَى اللَّهَ عزَّ وجلَّ. وقالَ: ابنَ آدمَ، إنَّك تَغْدُو أو تَروحُ في طلبِ الأرباحِ، فلْيَكُنْ همُّكَ نفسَك، فإنك لن تَربَحَ مثلَها أبدًا.
قالَ أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: قالَ لي رجلٌ مَرَّةً، وأنا شابٌّ: خَلِّصْ رَقبَتَك ما استطَعْتَ في الدُّنيا مِن رِقِّ الآخِرةِ؛ فإنَّ أسيرَ الآخِرةِ غيرُ مَفكوكٍ أبدًا، قالَ: فواللَّهِ ما نَسِيتُها بعدُ.
وكان بعضُ السَّلفِ يَبْكِي، ويقول: ليس لي نَفسانِ، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذَهَبَت، لم أَجِدْ أُخرى.
وقالَ مُحَمَّدُ ابنُ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ جَعَلَ الجنَّةَ ثمنًا لأنفسِكم، فلا تَبيعُوها بغيرِها. وقالَ: مَن كَرُمَتْ نفسُه عليه لم يكنْ للدُّنيا عندَه قَدْرٌ. وقيلَ له: مَن أعظمُ النَّاسِ قَدْرًا؟ قالَ: مَن لم يَرَ الدُّنيا كُلَّها لنفسِه خَطَرًا.
وأَنْشَدَ بعضُ الْمُتَقَدِّمينَ:
أُثَامِنُ بالنَّفْسِ النَّفيسةِ ربَّها ... ولَيسَ لها في الخلْقِ كُلِّهمُ ثَمَنْ