الصفحة 188 من 391

فقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فيما يَرْوِي عنْ رَبِّهِ: (( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ) )، يعني: أنَّهُ مَنَعَ نفسَهُ مِن الظُّلْمِ لعِبادِهِ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29] ، وقالَ: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31] ، وقالَ: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عِمرانَ: 108] ، وقالَ: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبيدِ} [فُصِّلَتْ: 46] ، وقالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يُونس: 44] ، وقالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] ، وقالَ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112] ، والْهَضْمُ: أنْ يُنْقَصَ مِنْ جَزَاءِ حَسناتِهِ، والظُّلْمُ: أنْ يُعاقَبَ بذُنُوبِ غيرِهِ. ومِثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ.

وهو ممَّا يَدُلُّ على أنَّ اللَّهَ قادرٌ على الظُّلْمِ، ولكِنَّهُ لا يَفعلُهُ فَضْلًا منهُ وَجُودًا وكَرَمًا، وإحسانًا إلى عِبادِهِ.

وقدْ فَسَّرَ كثيرٌ مِن العلماءِ الظُّلْمَ: بأنَّهُ وَضْعُ الأشياءِ في غيرِ مَوْضِعِهَا. وأمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بالتَّصرُّفِ في مِلْكِ الغيرِ بغيرِ إِذْنِهِ -وقدْ نُقِلَ نَحْوُهُ عنْ إياسِ بنِ مُعاويَةَ وغيرِهِ- فإنَّهُم يَقولونَ: إنَّ الظُّلْمَ مُستحيلٌ عليهِ وغيرُهُ مُتَصَوَّرٌ في حَقِّهِ؛ لأنَّ كُلَّ ما يَفعلُهُ فهوَ تَصَرُّفٌ في مُلْكِهِ. وبنَحْوِ ذلكَ أجابَ أبو الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ لِعِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ حينَ سألَهُ عن القَدَرِ.

وخَرَّجَ أبو داوُدَ وابنُ مَاجَهْ مِنْ حديثِ أبي سِنانٍ سعيدِ بنِ سِنانٍ، عنْ وَهْبِ بنِ خالدٍ الْحِمْصِيِّ، عن ابنِ الدَّيْلَمِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ يقولُ: لوْ أنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهم وهوَ غيرُ ظالِمٍ لهم، ولوْ رَحِمَهُم لكانَتْ رحمتُهُ خيرًا لهم مِنْ أعمالِهم، وأنَّهُ أتى ابنَ مسعودٍ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ، ثمَّ أتى زيدَ بنَ ثابتٍ، فحَدَّثَهُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ ذلكَ.

وفي هذا الحديثِ نَظَرٌ، ووَهْبُ بنُ خالدٍ ليسَ بذاكَ المشهورِ بالعِلْمِ. وقدْ يُحمَلُ على أنَّهُ لوْ أرادَ تَعذيبَهم لقَدَّرَ لهم ما يُعَذِّبُهم عليهِ، فيكونُ غيرَ ظالِمٍ لهم حينئذٍ.

وكونُهُ خَلَقَ أفعالَ العِبادِ، وفيها الظُّلْمُ، لا يَقْتَضِي وَصْفَهُ بالظُّلْمِ سُبحانَهُ وتعالى، كما أنَّهُ لا يُوصَفُ بسائِرِ القبائحِ التي يَفْعَلُها العِبادُ، وهيَ خَلْقُهُ وتَقديرُهُ؛ فإنَّهُ لا يُوصَفُ إلَّا بأفعالِهِ، لا يُوصَفُ بأفعالِ عِبادِهِ؛ فإنَّ أفعالَ عِبادِهِ مَخْلُوقَاتُهُ ومَفعولاتُهُ، وهوَ لا يُوصَفُ بشيءٍ منها، إنَّما يُوصَفُ بما قَامَ بهِ مِنْ صِفاتِهِ وأفعالِهِ، واللَّهُ أَعلَمُ.

وقولُهُ: (( وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا ) )، يعني: أنَّهُ تعالى حَرَّمَ الظلْمَ على عِبادِهِ، ونَهاهُمْ أنْ يَتَظَالَمُوا فيما بينَهم، فَحَرَامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يَظلِمَ غيرَهُ، معَ أنَّ الظُّلمَ في نفسِهِ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، وهوَ نَوْعَانِ:

أحدُهما: ظُلْمُ النفسِ، وأَعْظَمُهُ الشِّرْكُ، كما قالَ تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لُقمان: 13] ؛ فإنَّ الْمُشْرِكَ جَعَلَ المخلوقَ في مَنزِلةِ الخالِقِ، فعَبَدَهُ وتَأَلَّهَهُ، فوَضَعَ الأشياءَ في غيرِ مَوْضِعِها.

وأَكْثَرُ ما ذُكِرَ في القرآنِ مِنْ وَعيدِ الظالمينَ إنَّما أُريدَ بهِ الْمُشْرِكونَ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] ، ثمَّ يَلِيهِ المعاصي على اختلافِ أجناسِها مِنْ كبائرَ وصَغائرَ.

والثاني: ظُلْمُ العبدِ لغيرِهِ، وهوَ المذكورُ في هذا الحديثِ، وقدْ قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في خُطْبَتِهِ في حَجَّةِ الوداعِ: (( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ) ).

ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ خَطَبَ بذلكَ في يومِ عَرَفَةَ، وفي يومِ النَّحْرِ، وفي اليومِ الثاني مِنْ أيَّامِ التشريقِ. وفي روايَةٍ: ثمَّ قالَ: (( اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا؛ إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ) ).

وفي (الصحيحيْنِ) : عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).

وفيهما: عنْ أبي موسى، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) )، ثمَّ قرأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت