فهرس الكتاب
وفي (صحيحِ البخاريِّ) : عنْ أبي هُريرةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ) ).
قولُهُ: (( يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ؛ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ؛ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ؛ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَمِيعًا؛ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ) ).
هذا يَقتضِي أنَّ جميعَ الْخَلْقِ مُفْتَقِرُونَ إلى اللَّهِ تعالى في جَلْبِ مَصَالِحِهم، ودَفْعِ مَضارِّهِمْ في أُمُورِ دِينِهم ودُنياهُم، وأنَّ العِبادَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهم شيئًا مِنْ ذلكَ كلِّهِ، وأنَّ مَنْ لمْ يَتَفَضَّل اللَّهُ عليهِ بالْهُدَى والرزقِ، فإنَّهُ يُحْرَمُهما في الدُّنْيا، ومَنْ لمْ يَتفضَّل اللَّهُ عليهِ بِمَغْفِرَةِ ذُنوبِهِ أَوْبَقَتْهُ خَطاياهُ في الآخِرةِ.
قالَ اللَّهُ تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] ، ومِثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ، وقالَ تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 2] ، وقالَ: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذَّارِيَات: 58] ، وقالَ: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} [العَنْكَبُوت: 17] ، وقالَ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] ، وقالَ تعالى حَاكِيًا عنْ آدمَ وزَوْجِهِ أنَّهما قالَا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ، وعنْ نُوحٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنَّهُ قالَ: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] .
وقد اسْتَدَلَّ إبراهيمُ الخليلُ عليهِ السلامُ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بهذهِ الأمورِ على أنَّهُ لا إلهَ غيرُهُ، وأنَّ كلَّ ما أُشْرِكَ معهُ فباطلٌ، فقالَ لقَومِهِ: {أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 75 - 82] . فإنَّ مَنْ تَفرَّدَ بِخَلْقِ العبدِ وبِهِدايتِهِ وبِرِزْقِهِ وإِحْيَائِهِ وإماتَتِهِ في الدُّنيا، وبِمَغْفِرَةِ ذُنوبِهِ في الآخِرَةِ، مُسْتَحِقٌّ أنْ يُفْرَدَ بالإِلَهِيَّةِ والعِبادةِ والسؤالِ والتضرُّعِ إليهِ والاستكانةِ لهُ. قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الرُّوم: 40] .
وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ يَسْأَلَهُ العِبادُ جميعَ مَصالِحِ دِينِهم ودُنياهم، مِن الطَّعامِ والشرابِ والكِسوةِ وغيرِ ذلكَ، كما يَسألونَهُ الْهِدايَةَ والْمَغفرَةَ. وفي الحديثِ: (( لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ ) ). وكانَ بعضُ السلَفِ يَسألُ اللَّهَ في صلاتِهِ كلَّ حَوَائِجِهِ حتَّى مِلْحَ عَجِينِهِ وعَلَفَ شاتِهِ. وفي الإِسرَائِيلِيَّاتِ أنَّ موسى عليهِ السلامُ قالَ: يا رَبِّ، إنَّهُ لَتَعْرِضُ لِيَ الحاجةُ مِن الدُّنْيا فأَسْتَحِي أنْ أَسألَكَ، قالَ: سَلْنِي حتَّى مِلْحَ عَجِينِكَ وعَلَفَ حِمارِكَ. فإنَّ كُلَّ ما يَحتاجُ العبدُ إليهِ إذا سَأَلَهُ مِن اللَّهِ فقدْ أَظْهَرَ حاجتَهُ فيهِ، وافتقارَهُ إلى اللَّهِ، وذلكَ يُحِبُّهُ اللَّهُ. وكان بعضُ السلَفِ يَسْتَحِي مِن اللَّهِ أنْ يَسألَهُ شيئًا مِنْ مَصالِحِ الدُّنْيا. والاقتداءُ بالسُّنَّةِ أَوْلَى.
وقولُهُ: (( كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ) )، قدْ ظَنَّ بعضُهم أنَّهُ مُعارِضٌ لِحديثِ عِياضِ بنِ حِمَارٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ ) )، وفي روايَةٍ: (( مُسْلِمِينَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ ) ). وليسَ كذلكَ؛ فإنَّ اللَّهَ خَلَقَ بني آدمَ، وفَطَرَهم على قَبُولِ الإِسلامِ، والْمَيْلِ إليهِ دونَ غيرِهِ، والتَّهَيُّؤِ لذلكَ، والاستعدادِ لهُ بالقُوَّةِ، لكنْ لا بُدَّ للعبدِ مِنْ تعليمِ الإِسلامِ بالفعلِ؛ فإنَّهُ قبلَ التعليمِ جاهلٌ لا يَعْلَمُ شيئًا، كما قالَ عزَّ وجلَّ: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ