الصفحة 195 من 391

مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ، ولا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ. فاللَّهُ سُبْحَانَهُ إذا أَرادَ تَوفيقَ عبدٍ وهِدايتَهُ أعانَهُ ووَفَّقَهُ لطَاعَتِهِ، فكانَ ذلكَ فَضْلًا منهُ، وإذا أرادَ خِذلانَ عَبدٍ وَكَلَهُ إلى نفسِهِ، وخَلَّى بينَهُ وبينَها، فأَغْوَاهُ الشيطانُ لِغَفْلَتِهِ عنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، وكانَ ذلكَ عَدْلًا منهُ؛ فإنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ على العبدِ بإِنْزَالِ الكتابِ، وإرسالِ الرَّسُولِ، فما بَقِيَ لأَحَدٍ مِن النَّاسِ على اللَّهِ حُجَّةٌ بعدَ الرُّسُلِ.

فقولُهُ بعدَ هذا: (( فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ) )، إنْ كانَ الْمُرادُ: مَنْ وَجَدَ ذلكَ في الدُّنيا فإنَّهُ يكونُ حينَئذٍ مأمورًا بالْحَمْدِ للَّهِ على ما وَجَدَهُ مِنْ جزاءِ الأعمالِ الصالحةِ الذي عُجِّلَ لهُ في الدُّنيا، كما قالَ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] . ويكونُ مَأْمُورًا بِلَوْمِ نفسِهِ على ما فَعَلَتْ مِن الذُّنُوبِ التي وَجَدَ عاقِبَتَها في الدُّنْيا، كما قالَ تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21] . فالْمُؤْمِنُ إذا أَصَابَهُ في الدُّنيا بَلاءٌ رَجَعَ على نفسِهِ باللَّوْمِ، ودَعاهُ ذلكَ إلى الرجوعِ إلى اللَّهِ بالتوبةِ والاستغفارِ. وفي (الْمُسْنَدِ) و (سُنَنِ أبي دَاوُدَ) : عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ سَقَمٌ، ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ عُمُرِهِ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ وَعُوفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ وَأَطْلَقُوهُ، لَا يَدْرِي لِمَ عَقَلُوهُ وَلَا لِمَ أَطْلَقُوهُ ) ).

وقالَ سَلْمَانُ الفارسيُّ: إنَّ المسلمَ لَيُبْتَلَى، فيكونُ كَفَّارةً لِمَا مَضَى، ومُسْتَعْتَبًا فيما بَقِيَ. وإنَّ الكافرَ يُبْتَلَى، فمَثَلُهُ كَمَثَلِ البعيرِ أُطْلِقَ، فلَمْ يَدْرِ لِمَ أُطْلِقَ، وعُقِلَ فلَمْ يَدْرِ لِمَ عُقِلَ.

وإنْ كانَ المرادُ مَنْ وَجَدَ خَيرًا أوْ غَيْرَهُ في الآخِرةِ، كانَ إخبارًا منهُ بأنَّ الذينَ يَجِدُونَ الخيرَ في الآخِرةِ يَحْمَدُونَ اللَّهَ على ذلكَ، وأنَّ مَنْ وَجَدَ غيرَ ذلكَ يَلُومُ نفسَهُ حينَ لا يَنفعُهُ اللَّوْمُ. فيكونُ الكلامُ لفظُهُ لفظَ الأمرِ، ومعناهُ الخبرَ، كقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) )، والمعنى: أنَّ الكَاذِبَ عليهِ يَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ.

وقدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى عنْ أهلِ الجنةِ أنَّهم يَحْمَدُونَ اللَّهَ على ما رَزَقَهم مِنْ فَضْلِهِ، فقالَ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] ، وقالَ: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} [الزُّمَر: 74] ، وقالَ: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 34 - 35] . وأَخْبَرَ عنْ أهلِ النارِ أنَّهم يَلُومونَ أنْفُسَهم، ويَمْقُتُونَها أَشَدَّ الْمَقْتِ، فقالَ تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22] ، وقالَ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10] .

وقدْ كانَ السَّلَفُ الصالحُ يَجتهدونَ في الأعمالِ الصالحةِ؛ حَذَرًا مِنْ لَوْمِ النفسِ عندَ انقطاعِ الأعمالِ على التقصيرِ. وفي (التِّرمذيِّ) : عنْ أبي هُريرةَ مَرفوعًا: (( مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتَعْتَبَ ) ).

وقيلَ لمَسْرُوقٍ: لوْ قَصَّرْتَ عنْ بعضِ ما تَصْنَعُ مِن الاجتهادِ، فقالَ: واللَّهِ لوْ أَتَانِي آتٍ فأَخْبَرَنِي أنْ لا يُعَذِّبَنِي، لَاجْتَهَدْتُ في العِبادةِ، قيلَ: كيفَ ذاكَ؟ قالَ: حتَّى تَعْذِرَنِي نَفْسِي إنْ دَخَلْتُ النَّارَ أنْ لا أَلُومَها، أَمَا بَلَغَكَ في قولِ اللَّهِ تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت