فهرس الكتاب
الشرابُ يُشْرَبُ حتَّى يَنتهيَ نفَسُهُ، ثمَّ يَعودُ مَكانَهُ. ورُؤِيَ بعضُ العلماءِ الصالحينَ بعدَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ في الْمَنامِ فقالَ: ما أَكَلْتُ منذُ فارَقْتُكم إلَّا بعْضَ فَرْخٍ، أمَا عَلِمْتُمْ أنَّ طَعامَ الْجَنَّةِ لا يَنْفَدُ؟!
وقدْ بَيَّنَ في الحديثِ الَّذي خَرَّجَهُ التِّرمذيُّ وابنُ مَاجَهْ السببَ الذي لأَجْلِهِ لا يَنْقُصُ ما عندَ اللَّهِ بالعطاءِ، بقولِهِ: (( ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ ) ). وهذا مِثلُ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] ، وقولِهِ تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] .
وفي (مُسْنَدِ الْبَزَّارِ) بإسنادٍ فيهِ نَظَرٌ مِنْ حديثِ أبي هُريرةَ: عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( خَزَائِنُ اللَّهِ الْكَلَامُ، فَإِذَا أَرَادَ شَيْئًا قالَ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ ) ). فهوَ سُبْحَانَهُ إذا أرادَ شيئًا؛ مِنْ عطاءٍ أوْ عذابٍ أوْ غيرِ ذلكَ، قالَ لهُ: كنْ، فكانَ. فكيفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَنْقُصَ هذا؟ وكذلكَ إذا أرادَ أنْ يَخْلُقَ شيئًا قالَ لهُ: كُنْ، فيكونُ، كما قالَ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمرانَ: 59] .
وفي بعضِ الآثارِ الإسرائيليَّةِ: أَوْحَى اللَّهُ تعالى إلى موسى عليهِ السلامُ: يا مُوسى، لا تَخَافَنَّ غَيْرِي ما دامَ ليَ السُّلطانُ، وسُلطانِي دائمٌ لا يَنقطِعُ. يا موسى، لا تَهْتَمَّنَّ برِزْقِي أبدًا ما دَامَتْ خَزائنِي مَملوءةً، وخَزائنِي مَملوءةٌ لا تَفْنَى أبدًا. يا موسى، لا تَأْنَسْ بغَيْرِي ما وَجَدْتَنِي أَنيسًا لكَ، ومتى طَلَبْتَنِي وَجَدْتَنِي. يا موسى، لا تَأْمَنْ مَكْرِي ما لمْ تَجُز الصِّراطَ إلى الجنَّةِ. وقالَ بعضُهم:
لا تَخَضَعَنَّ لِمخلُوقٍ على طَمَعٍ * فإنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بالدِّينِ
واستَرْزِق اللَّهَ مِمَّا في خَزائِنِهِ * فإنَّمَا هِيَ بَيْنَ الكَافِ والنُّونِ
وقولُهُ: (( يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ) )، يعني: أنَّهُ سبحانَهُ يُحْصِي أعمالَ عِبادِهِ، ثمَّ يُوَفِّيهِم إيَّاها بالجزاءِ عليها، وهذا كقولِهِ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزَّلْزَلَة: 7 - 8] ، وقولِهِ: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] ، وقولِهِ: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عِمرانَ: 30] ، وقولِهِ: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المُجَادَلَة: 6] .
وقولُهُ: (( ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ) )، الظاهِرُ أنَّ الْمُرادَ تَوْفِيَتُها يومَ القِيامةِ، كما قالَ تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجَورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عِمرانَ: 185] ، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ: أنَّهُ يُوَفِّي عِبادَهُ جَزاءَ أعمالِهم في الدُّنيا والآخِرةِ، كما في قولِهِ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] . وقدْ رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ فَسَّرَ ذلكَ بأنَّ المؤمنينَ يُجَازَوْنَ بِسَيِّئَاتِهم في الدُّنيا، وتُدَخَّرُ لهم حَسناتُهم في الآخِرةِ، فيُوَفَّوْنَ أُجُورَها، وأمَّا الكافرُ فإنَّهُ يُعَجَّلُ لهُ في الدُّنْيا ثوابُ حَسناتِهِ، وتُدَّخَرُ لهُ سَيِّئاتُهُ، فَيُعَاقَبُ بها في الآخِرةِ. وتَوْفِيَةُ الأعمالِ هيَ تَوفيَةُ جَزائِها مِنْ خيرٍ أوْ شَرٍّ، فالشَّرُّ يُجازَى بهِ مِثْلَهُ مِنْ غيرِ زِيادةٍ، إلَّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عنهُ، والخيرُ تُضاعَفُ الحسنَةُ منهُ بِعَشْرِ أمثالِها إلى سبعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كثيرةٍ لا يَعلَمُ قَدْرَها إلَّا اللَّهُ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ} [الزُّمَر: 10] .
وقولُهُ: (( فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ) )، إشارةٌ إلى أنَّ الخيرَ كُلَّهُ مِن اللَّهِ فضلٌ منهُ على عَبْدِهِ، مِنْ غيرِ استحقاقٍ لهُ، والشَّرَّ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ ابنِ آدمَ مِن اتِّباعِ هَوَى نفسِهِ، كما قالَ عزَّ وجلَّ: مَا أَصَابَكَ