الصفحة 193 من 391

وهذا فيهِ نَظَرٌ، وهوَ يُخالِفُ ما في هذا الحديثِ مِنْ أنَّ جَميعَ الْخَلْقِ لوْ كَانُوا على صفةِ أَكْمَلِ خَلْقِهِ مِن الْبِرِّ والتَّقْوَى، لمْ يَزِدْ ذلكَ مُلْكَهُ شيئًا، ولا قَدْرَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ، ولوْ كَانُوا على صِفةِ أَنقصِ خَلْقِهِ مِن الفُجورِ، لمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِهِ شيئًا، فَدَلَّ على أنَّ مُلْكَهُ كاملٌ علَى أيِّ وَجْهٍ كانَ، لا يَزْدَادُ ولا يَكْمُلُ بالطاعاتِ، ولا يَنْقُصُ بالمعاصي، ولا يُؤَثِّرُ فيهِ شيءٌ.

وفي هذا الكلامِ دليلٌ على أنَّ الأصلَ في التَّقوى والفُجورِ هوَ القلبُ، فإذا بَرَّ القلبُ واتَّقى بَرَّت الجوارحُ، وإذا فَجَرَ القلبُ فَجَرَت الجوارحُ، كما قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( التَّقْوَى هَا هُنَا ) )، وأشارَ إلى صَدْرِهِ.

قولُهُ: (( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ) )، الْمُرادُ بهذا ذِكْرُ كمالِ قُدرتِهِ سُبحانَهُ، وكمالِ مُلْكِهِ، وأنَّ مُلكَهُ وخَزائنَهُ لا تَنْفَدُ، ولا تَنْقُصُ بالعطاءِ، ولوْ أَعْطَى الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ مِن الجنِّ والإِنسِ جميعَ ما سَأَلُوهُ في مَقامٍ واحدٍ. وفي ذلكَ حثٌّ للخَلْقِ على سُؤَالهِ وإنزالِ حَوَائِجِهم بهِ. وفي (الصحيحيْنِ) : عنْ أبي هُريرةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ ) ).

وفي (صحيحِ مسلِمٍ) : عنْ أبي هُريرةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْألَةَ، وَلْيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ ) ).

وقالَ أبو سعيدٍ الْخُدْرِيُّ: إذا دَعَوْتُم اللَّهَ فارْفَعُوا في المسألةِ؛ فإنَّ ما عندَهُ لا يُنْفِدُهُ شيءٌ، وإذا دَعَوْتُمْ فاعْزِمُوا؛ فإنَّ اللَّهَ لا مُسْتَكْرِهَ لهُ.

وفي بعضِ الآثارِ الإسرائِيلِيَّةِ: يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: أَيُؤَمَّلُ غَيْرِي للشَّدَائدِ والشَّدَائِدُ بِيَدِي، وأَنَا الحيُّ القيُّومُ؟! ويُرْجَى غَيْرِي، ويُطْرَقُ بَابُهُ بالبُكَرَاتِ، وبِيَدِي مَفاتيحُ الخَزَائِنِ، وبابي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعانِي؟! مَنْ ذا الذي أَمَّلَنِي لِنَائِبَةٍ فقَطَعْتُ بهِ؟! أوْ مَنْ ذا الذي رَجَانِي لعظيمٍ فقَطَعْتُ رَجاءَهُ؟! أوْ مَنْ ذا الذي طَرَقَ بابِي فلمْ أَفْتَحْهُ لهُ؟! أنا غايَةُ الآمالِ، فكيفَ تَنْقَطِعُ الآمالُ دُونِي؟! أَبَخِيلٌ أنا فيُبَخِّلَنِي عَبْدِي؟! أليسَ الدُّنيا والآخِرةُ والكَرَمُ والفضلُ كُلُّهُ لي؟! فما يَمْنَعُ المُؤَمِّلِينَ أنْ يُؤَمِّلُونِي؟ لوْ جَمَعْتُ أَهْلَ السماواتِ والأرضِ، ثمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ واحدٍ منهم ما أَعطَيْتُ الجميعَ، وبَلَّغْتُ كُلَّ واحدٍ منهم أَمَلَهُ، لمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي عُضْوَ ذَرَّةٍ، كيفَ يَنْقُصُ مُلْكٌ أَنَا قَيِّمُهُ؟! فيا بُؤْسًا للقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي، ويا بُؤْسًا لِمَنْ عَصَانِي وتَوَثَّبَ على مَحارِمِي.

وقولُهُ: (( لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ) )، تحقيقٌ؛ لأنَّ ما عندَهُ لا يَنْقُصُ الْبَتَّةَ، كما قالَ تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] ؛ فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيهِ إِبْرَةٌ، ثمَّ أُخْرِجَتْ، لمْ يَنْقُصْ مِن البحرِ بذلكَ شيءٌ. وكذلكَ لوْ فُرِضَ أنَّهُ شَرِبَ منهُ عُصْفُورٌ مَثَلًا، فإنَّهُ لا يَنْقُصُ البحرُ الْبَتَّةَ؛ ولهذا ضَرَبَ الْخَضِرُ لموسى عليهما السلامُ هذا الْمَثَلَ في نِسْبَةِ عِلْمِهما إلى عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وهذا لأنَّ البَحْرَ لا يَزالُ تَمُدُّهُ مِياهُ الدُّنيا وأنهارُها الجاريَةُ، فَمَهْمَا أُخِذَ منهُ، لمْ يَنْقُصْهُ شيءٌ؛ لِأَنَّهُ يَمُدُّهُ ما هوَ أَزْيَدُ مِمَّا أُخِذَ منهُ. وهكذا طَعَامُ الجنَّةِ وما فيها؛ فَإِنَّهُ لا يَنْفَدُ، كما قالَ تعالى: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 32 -33] ، وقدْ جاءَ: (( أَنَّهُ كُلَّمَا نُزِعَتْ ثَمَرَةٌ عَادَ مَكَانَهَا مِثْلُهَا ) )، ورُوِيَ: (( مِثْلَاهَا ) )، فهيَ لا تَنْقُصُ أبدًا. ويَشهدُ لذلكَ قولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في خُطْبَةِ الكُسوفِ: (( وَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ) ). خرَّجَاهُ في (الصحيحيْنِ) مِنْ حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وخَرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ جابرٍ، ولَفْظُهُ: (( وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَنْقُصُونَهَ شَيْئًا ) ).

وهكذا لَحْمُ الطَّيرِ الذي يَأْكُلُهُ أهلُ الجنَّةِ يُسْتَخْلَفُ ويَعُودُ كما كانَ حَيًّا لا يَنْقُصُ منهُ شيءٌ. وقدْ رُوِيَ هذا عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ فيها ضَعْفٌ، وقالَهُ كَعْبٌ. ورُوِيَ أيضًا عنْ أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ مِنْ قولِهِ. قالَ أبو أُمامةَ: وكذلكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت