الصفحة 199 من 391

وخَرَّجَ ابنُ حِبَّانَ في (صحيحِهِ) مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَيْسَ مِنْ نَفْسِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا عَلَيْهَا صَدَقَةٌ فِي كُلِّ يَوْمِ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ ) )، قيلَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ لَنَا صَدَقَةٌ نَتَصَدَّقُ بِهَا؟ قالَ: (( إِنَّ أَبْوَابَ الْخَيْرِ لَكَثِيرَةٌ: التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَالتَّحْمِيدُ، وَالتَّهْلِيلُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَتُسْمِعُ الْأَصَمَّ، وَتَهْدِي الْأَعْمَى، وَتَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَتِهِ، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ مَعَ اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَحْمِلُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ. فَهَذَا كُلُّهُ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ ) ).

وخرَّجَ الإِمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ أبي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الأَغْنِياءُ بِالأَجْرِ، يَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، قالَ: (( وَأَنْتَ فِيكَ صَدَقَةٌ: رَفْعُكَ الْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَهِدَايَتُكَ الطَّرِيقَ صَدَقَةٌ، وَعَوْنُكَ الضَّعِيفَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ صَدَقَةٌ، وَبَيَانُكَ عَنِ الْأَغْتَمِ صَدَقَةٌ، وَمُبَاضَعَتُكَ امْرَأَتَكَ صَدَقَةٌ ) )، قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، نَأَتِي شَهْوَتَنَا وَنُؤْجَرُ؟! قالَ: (( أَرَأَيْتَ لَوْ جَعَلَهُ فِي حَرَامٍ، أَكَانَ يَأْثَمُ؟ ) )قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: (( أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالشَّرِّ وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ؟! ) )وفي روايَةٍ أُخرى، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ فِيكَ صَدَقَةً كَثِيرَةً، فَذَكَرَ فَضْلَ سَمْعِكَ وَفَضْلَ بَصَرِكَ ) ). وفي روايَةٍ أُخْرَى للإِمامِ أحمدَ: قالَ: (( إِنَّ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ التَّكْبِيرَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْروفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْزِلُ الشَّوْكَةَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَالْعَظْمَ وَالْحَجَرَ، وَتَهْدِي الْأَعْمَى، وَتُسْمِعُ الْأَصَمَّ وَالْأَبْكَمَ حَتَّى يَفْقَهَ، وَتَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَةٍ لَهُ قَدْ عَلِمْتَ مَكَانَهَا، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ. كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَكَ فِي جِمَاعِكَ زَوْجَتَكَ أَجْرٌ ) )، قُلْتُ: كيفَ يكونُ لي أَجْرٌ فِي شَهْوَتِي؟ فَقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ وَلَدٌ، فَأَدْرَكَ وَرَجَوْتَ خَيْرَهُ، فَمَاتَ، أَكُنْتَ تَحْتَسِبُ بِهِ؟ ) )قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: (( فَأَنْتَ خَلَقْتَهُ؟ ) )قُلْتُ: بَل اللَّهُ خَلَقَهُ، قالَ: (( فَأَنْتَ هَدَيْتَهُ؟ ) )قُلْتُ: بَل اللَّهُ هَدَاهُ، قالَ: (( فَأَنْتَ كُنْتَ تَرْزُقُهُ؟ ) )قُلْتُ: بَل اللَّهُ كَانَ يَرْزُقُهُ، قالَ: (( كَذَلِكَ فَضَعْهُ فِي حَلَالِهِ، وَجَنِّبْهُ حَرَامَهُ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَحْيَاهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمَاتَهُ، وَلَكَ أَجْرٌ ) ).

وظاهِرُ هذا السِّياقِ يَقْتَضِي أنَّهُ يُؤْجَرُ على جِمَاعِهِ لأهْلِهِ بِنِيَّةِ طَلَبِ الوَلَدِ الذي يَترتَّبُ الأَجْرُ على تَرْبِيَتِهِ وتَأديبِهِ في حياتِهِ، ويَحْتَسِبُهُ عندَ مَوْتِهِ، وأمَّا إذا لمْ يَنْوِ شيئًا بقَضاءِ شَهْوَتِهِ، فهذا قدْ تَنازَعَ الناسُ في دُخولِهِ في هذا الحديثِ.

وقدْ صَحَّ الحديثُ بأنَّ نَفَقَةَ الرجُلِ على أهلِهِ صَدَقَةٌ، ففي (الصحيحيْنِ) : عنْ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ ) ). وفي روايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (( وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا ) ). وفي لفظٍ للبُخَارِيِّ: (( إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ) ). فدَلَّ على أنَّهُ إنَّما يُؤْجَرُ فيها إذا احْتَسَبَها عندَ اللَّهِ، كما في حديثِ سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ ) )، خَرَّجَاهُ.

وفي (صحيحِ مسلِمٍ) : عنْ ثَوْبانَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( أَفْضَلُ الدَّنَانِيرِ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ). قالَ أبو قِلابةَ عندَ روايَةِ هذا الحديثِ: بدأَ بالعِيالِ، وأَيُّ رجُلٍ أعظمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ على عِيالٍ لهُ صِغَارٍ يُعِفُّهم اللَّهُ بهِ، ويُغْنِيهم اللَّهُ بهِ.

وفيهِ أيضًا: عنْ سعدٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ ) ). وهذا قدْ وَرَدَ مُقَيَّدًا في الروايَةِ الأخرى بابتغاءِ وجهِ اللَّهِ. وفي (صحيحِ مسلِمٍ) : عنْ أبي هُريرةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَفْضَلُهَا الدِّينَارُ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت