فهرس الكتاب
وخَرَّجَ الإِمامُ أحمدُ، وابنُ حِبَّانَ في (صحيحِهِ) مِنْ حديثِ أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( تَصَدَّقُوا ) )، فقالَ رَجُلٌ: عندِي دِينارٌ، فقالَ: (( تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ ) )، قالَ: عنْدِي دينارٌ آخَرُ، قالَ: (( تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ ) )، قالَ: عنْدِي دينارٌ آخَرُ، قالَ: (( تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ ) )، قالَ: عنْدِي دينارٌ آخَرُ، قالَ: (( تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ ) )، قالَ: عنْدِي دِينارٌ آخَرُ، قالَ: (( أَنْتَ أَبْصَرُ ) ).
وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ الْمِقدامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَتَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ ) ). وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ يَطولُ ذِكْرُها.
وفي (الصحيحَيْنِ) : عنْ أَنَسٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ دَابَّةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً ) ). وفي (صحيحِ مسلِمٍ) : عنْ جابِرٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أَكَلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً ) ). وفي روايَةٍ لهُ أَيْضًا: (( فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةُ، وَلَا طَائِرٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ).
وفي (الْمُسْنَدِ) بإسنادٍ ضعيفٍ: عنْ مُعاذِ بنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ، أَوْ غَرَسَ غِرَاسًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ، كَانَ لَهُ أَجْرًا جَارِيًا مَا انْتَفَعَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الرَّحْمَنِ ) ).
وذَكَرَ البُخَارِيُّ في (تاريخِهِ) مِنْ حديثِ جابرٍ مَرفوعًا: (( مَنْ حَفَرَ مَاءً لَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرَّى مِنْ جِنٍّ وَلَا إِنْسٍ وَلَا سَبُعٍ وَلَا طَائِرٍ إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).
وظاهِرُ هذهِ الأحاديثِ كُلِّها يَدُلُّ على أنَّ هذهِ الأشياءَ تكونُ صَدَقَةً يُثابُ عليها الزارعُ والغارِسُ ونحوُهما مِنْ غيرِ قَصْدٍ ولا نِيَّةٍ. وكذلكَ قولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ ) ). يَدُلُّ بظاهِرِهِ على أنَّهُ يُؤْجَرُ في إِتْيَانِ أهلِهِ مِنْ غيرِ نِيَّةٍ؛ فإنَّ الْمُبَاضِعَ لأَهْلِهِ كالزَّارعِ في الأرضِ الذي يَحْرُثُ الأرضَ ويَبْذُرُ فيها. وقدْ ذَهَبَ إلى هذا طائفةٌ مِن العُلماءِ، ومالَ إليهِ أبو مُحَمَّدِ بنُ قُتَيْبَةَ في الأَكْلِ والشُّربِ والْجِماعِ، واسْتَدَلَّ بقولِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ ) ). وهذا اللَّفظُ الذي اسْتَدَلَّ بهِ غيرُ مَعْرُوفٍ، إنَّمَا المعروفُ قولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لسَعْدٍ: (( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْها، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ ) )، وهوَ مُقَيَّدٌ بإخلاصِ النِّيَّةِ للَّهِ، فتُحْمَلُ الأحاديثُ الْمُطْلَقَةُ عليهِ، واللَّهُ أَعلمُ.
ويَدُلُّ عليهِ أيضًا قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] ، فجَعَلَ ذلكَ خَيْرًا، ولمْ يُرَتِّبْ عليهِ الأَجْرَ إلَّا معَ نِيَّةِ الإِخلاصِ. وأمَّا إذا فَعَلَهُ رِيَاءً، فإنَّهُ يُعَاقَبُ عليهِ، وإنَّمَا مَحَلُّ التَّرَدُّدِ إذا فَعَلَهُ بغيرِ نِيَّةٍ صالحةٍ ولا فَاسدةٍ. وقدْ قالَ أبو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: مَنْ عَمِلَ عَمَلَ خيرٍ مِنْ غيرِ نِيَّةٍ كَفاهُ نِيَّةُ اختيارِهِ للإِسلامِ على غَيْرِهِ مِن الأدْيَانِ. وظاهِرُ هذا أنَّهُ يُثابُ عليهِ مِنْ غيرِ نِيَّةٍ بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّهُ بدُخُولِهِ في الإِسلامِ مُخْتَارٌ لأعمالِ الخيرِ في الْجُملةِ، فيُثابُ على كلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ منها بتلكَ النِّيَّةِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وقولُهُ: (( أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ ) ). هذا يُسمَّى عندَ الأُصولِيِّينَ قياسَ العَكْسِ. ومنهُ قولُ ابنِ مسعودٍ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً، وقُلْتُ أَنَا أُخْرَى، قالَ: (( مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ) )، وقُلْتُ: مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ.