الصفحة 201 من 391

والنوعُ الثاني مِن الصَّدَقَةِ التي لَيْسَتْ مَالِيَّةً: ما نَفْعُهُ قاصرٌ على فَاعِلِهِ، كأنواعِ الذِّكْرِ مِن التَّكبيرِ، والتَّسبيحِ، والتَّحميدِ، والتَّهليلِ، والاستغفارِ. وكذلكَ الْمَشْيُ إلى الْمَساجدِ صَدَقَةٌ، ولمْ يُذْكَرْ في شيءٍ مِن الأحاديثِ الصَّلاةُ والصِّيَامُ والْحَجُّ والْجِهادُ أنَّهُ صَدَقَةٌ، وأَكْثَرُ هذهِ الأعمالِ أَفْضَلُ مِن الصَّدقاتِ الْمَاليَّةِ؛ لأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذلكَ جَوابًا لِسُؤَالِ الفُقراءِ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عمَّا يُقاوِمُ تَطوُّعَ الأغنياءِ بأَمْوَالِهم. وأمَّا الفرائضُ فقدْ كانوا كُلُّهم مُشتَرِكينَ فيها.

وقدْ تَكاثَرَت النُّصوصُ بتفضيلِ الذِّكْرِ على الصدَقَةِ بالمالِ وغيرِها مِن الأعمالِ، كما في حديثِ أبي الدَّرْدَاءِ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( أَلَا أُنبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ ) )قالُوا: بلى يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: (( ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ). خَرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ، وذَكَرَهُ مالِكٌ في (الْمُوَطَّأِ) مَوقوفًا على أبي الدرداءِ.

وفي (الصحيحيْنِ) : عنْ أبي هُريرةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثرَ مِنْ ذَلِكَ ) ).

وفيهما أيضًا: عنْ أبي أيُّوبَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ) ).

وخَرَّجَ الإمامُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العِبادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قالَ: (( الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا ) )، قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وَمِن الغَازِي فِي سَبيلِ اللَّهِ؟ قالَ: (( لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا، لَكَانَ الذَّاكِرُونَ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً ) ). ويُرْوَى نحوُهُ مِنْ حديثِ مُعاذٍ وجابرٍ مَرفوعًا، والصَّوَابُ وَقْفُهُ على مُعاذٍ مِنْ قولِهِ.

وخَرَّجَ الطبرانيُّ مِنْ حديثِ أبي الْوَازِعِ، عنْ أبي بُرْدَةَ، عنْ أبي موسى، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَوْ أنَّ رَجُلًا فِي حِجْرِهِ دَرَاهِمُ يَقْسِمُهَا، وَآخَرَ يَذْكُرُ اللَّهَ، كَانَ الذَّاكِرُ لِلَّهِ أَفْضَلَ ) )، قُلْتُ: الصَّحِيحُ: عنْ أبي الْوَازِعِ، عنْ أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ مِنْ قولِهِ. خَرَّجَهُ جَعْفَرٌ الفِرْيَابِيُّ.

وخَرَّجَ أيضًا مِنْ حديثِ أَنَسٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ كَبَّرَ مِائَةً، وَسَبَّحَ مِائَةً، وَهَلَّلَ مِائَةً، كَانَتْ خَيْرًا لَهُ مِنْ عَشْرِ رِقَابٍ يَعْتِقُهَا، وَمِنْ سَبْعِ بَدَنَاتٍ يَنْحَرُهَا ) ).

وخَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ، عنْ أبي الدرداءِ أنَّهُ قيلَ لهُ: إنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ مِائَةَ نَسَمَةٍ، فقالَ: إنَّ مِائَةَ نَسَمَةٍ مِنْ مالِ رجُلٍ كثيرٌ، وأَفضلُ مِنْ ذلكَ إيمانٌ مَلزومٌ باللَّيلِ والنَّهارِ، وأنْ لا يَزَالَ لِسَانُ أحَدِكم رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.

وعنْ أبي الدَّرداءِ أيضًا قالَ: لَأَنْ أَقُولَ: اللَّهُ أكبرُ مِائَةَ مَرَّةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِينارٍ. وكذلكَ قالَ سَلمانُ الفارسيُّ وغيرُهُ مِن الصَّحابةِ والتابعينَ: إنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِن الصَّدقةِ بِعَدَدِهِ مِن المالِ.

وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنَّسائيُّ مِنْ حديثِ أُمِّ هانِئٍ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قالَ لها: (( سَبِّحِي اللَّهَ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ؛ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ مِائَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاحْمَدِي اللَّهَ مِائَةَ تَحْمِيدَةٍ؛ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ فَرَسٍ مُلَجَّمَةٍ مُسَرَّجَةٍ تَحْمِلِينَ عَلَيْهِنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَكَبِّرِي اللَّهَ مِائَةَ تَكْبِيرَةٍ؛ فَإِنَّها تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ بَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ. وهَلِّلِي اللَّهَ مِائَةَ تَهْلِيلَةٍ -لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ- تَمْلَأُ مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت