فهرس الكتاب
وَتُمِيطُ الْأَذْى عَنِ الطَّرِيقِ، وَتُسْمِعُ الْأَصَمَّ، وَتَهْدِي الْأَعْمَى، وَتَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَتِهِ، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ مَعَ اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَحْمِلُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، فَهَذَا كُلُّهُ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ )) .
فقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ) ). قالَ أبو عُبَيْدٍ: السُّلَامَى في الأَصْلِ عَظْمٌ يكونُ في فِرْسِنِ البعيرِ، قالَ: فكأنَّ معنى الحديثِ: على كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظامِ ابنِ آدَمَ صَدَقَةٌ، يُشيرُ أبو عُبَيْدٍ إلى أنَّ السُّلَامَى اسمٌ لبَعْضِ العِظامِ الصِّغارِ التي في الإِبِلِ، ثمَّ عَبَّرَ بها عن العِظامِ في الجُمْلَةِ بالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّ وغيرِهِ.
فمعنى الحديثِ عندَهُ: على كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظامِ ابنِ آدَمَ صَدَقَةٌ.
وقالَ غيرُهُ: السُّلَامَى: عَظْمٌ في طَرَفِ اليدِ والرِّجْلِ، وكَنَّى بذلكَ عنْ جَميعِ عِظامِ الْجَسَدِ، والسُّلَامَى جَمْعٌ، وقيلَ: هُوَ مُفْرَدٌ.
وقدْ ذَكَرَ عُلماءُ الطِّبِّ أنَّ جميعَ عِظامِ البَدَنِ مِائَتَانِ وثَمَانِيَةٌ وأربعونَ عَظْمًا، سِوَى السِّمْسِمَانِيَّاتِ، وبعضُهم يقولُ: هيَ ثَلاثُ مِائَةٍ وسِتُّونَ عَظْمًا، يَظْهَرُ منها للحِسِّ مِائَتَانِ وخَمسةٌ وسِتُّونَ عَظْمًا، والباقيَةُ صِغارٌ لا تَظْهَرُ تُسَمَّى السِّمْسِمَانِيَّةَ. وهذهِ الأحاديثُ تُصَدِّقُ هذا القولَ. ولعلَّ السُّلَامَى عَبَّرَ بها عنْ هذهِ العِظامِ الصِّغارِ، كما أنَّها في الأَصْلِ اسمٌ لأصْغَرِ ما في البعيرِ مِن العِظامِ. وروايَةُ الْبَزَّارِ لحديثِ أبي هُريرةَ يَشْهَدُ لهذا؛ حيثُ قالَ فيها: (( أَوْ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ سُلَامَى ) ). وقدْ خَرَّجَهُ غيرُ الْبَزَّارِ، وقالَ فيهِ: (( إِنَّ فِي ابْنِ آدَمَ سِتَّمِائَةٍ وَسِتِّينَ عَظْمًا ) ). وهذهِ الروايَةُ غَلَطٌ. وفي حديثِ عائشةَ وبُرَيْدَةَ ذَكَرَ ثَلَاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَفْصِلًا.
ومعنى الحديثِ: أنَّ تَرْكِيبَ هذهِ العِظامِ وسَلامَتَها مِنْ أَعْظَم نِعَمِ اللَّهِ على عَبْدِهِ، فَيَحْتَاجُ كُلُّ عَظْمٍ منها إلى صَدَقَةٍ يَتَصَدَّقُ ابنُ آدَمَ عنهُ؛ لِيَكُونَ ذلكَ شُكْرًا لهذهِ النِّعمةِ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6 - 8] ، وقالَ عزَّ وجلَّ: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المُلْك: 23] ، وقالَ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] ، وقالَ: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} [البلد: 8 - 9] . قالَ مُجَاهِدٌ: هذهِ نِعَمٌ مِن اللَّهِ مُتظاهِرَةٌ يُقَرِّرُكَ بها كَيْمَا تَشْكُرَ. وقَرَأَ الفُضيلُ ليلةً هذهِ الآيَةَ فبَكَى، فسُئِلَ عنْ بُكَائِهِ، فقالَ: هلْ بِتَّ ليلةً شاكرًا للَّهِ أنْ جَعَلَ لكَ عَينَيْنِ تُبْصِرُ بهما؟ هلْ بِتَّ ليلةً شاكرًا للَّهِ أنْ جَعَلَ لكَ لسانًا تَنْطِقُ بهِ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ مِنْ هذا الضَّرْبِ.
وروى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادِهِ، عنْ سَلمانَ الفارسيِّ قالَ: إنَّ رجُلًا بُسِطَ لهُ مِن الدُّنيا، فَانْتُزِعَ ما في يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيُثْنِي علَيْهِ، حتَّى لمْ يَكُنْ لهُ فِراشٌ إلَّا بُورِيٌّ، فجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عليهِ، وبُسِطَ لِلآخَرِ مِن الدُّنيا، فقالَ لصاحبِ البُورِيِّ: أَرَأَيْتَكَ أنتَ على ما تَحْمَدُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ؟ قالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى ما لَوْ أُعْطِيتُ بهِ ما أُعْطِيَ الْخَلْقُ لمْ أُعْطِهِمْ إيَّاهُ، قالَ: وما ذَاكَ؟ قالَ: أَرَأَيْتَ بَصَرَكَ؟ أَرَأَيْتَ لسانَكَ؟ أَرَأَيْتَ يَدَيْكَ؟ أَرَأَيْتَ رِجْلَيْكَ؟
وبإسنادِهِ، عنْ أبي الدرداءِ أنَّهُ كانَ يقولُ: الصِّحَّةُ غِنَى الْجَسَدِ.
وعنْ يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ، أنَّ رجلًا شَكَا إليهِ ضِيقَ حالِهِ، فقالَ لهُ يُونسُ: أَيَسُرُّكَ أنَّ لكَ ببَصَرِكَ هذا الذي تُبْصِرُ بهِ مِائَةَ ألْفِ دِرْهَمٍ؟ قالَ الرجُلُ: لا، قالَ: فَبِيَدِكَ مِائَةُ أَلْفِ دِرهمٍ؟ قالَ: لا، قالَ: فَبِرِجْلَيْكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فَذَكَّرَهُ نِعَمَ اللَّهِ عليهِ، فقالَ يُونسُ: أَرَى عِنْدَكَ مِئِينَ أُلُوفٍ، وأنتَ تَشْكُو الحاجةَ.
وعنْ وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مكتوبٌ في حِكْمَةِ آلِ داوُدَ: العافيَةُ الْمُلْكُ الْخَفِيُّ.