الصفحة 48 من 391

وخرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، سَمِعَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ) )، ثُمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ) ).

الحديثُ الخامِسُ

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) ) (1) .

(1) هذا الحديثُ خَرَّجَاهُ فِي (الصَّحيحَيْنِ) مِنْ حديثِ القاسِمِ بنِ محمَّدٍ، عنْ عَمَّتِهِ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهَا، وألفاظُ الحديثِ مُخْتَلِفَةٌ، ومعناهَا مُتَقَارِبٌ. وفي بعضِ ألفاظِهِ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) ).

وهَذا الحديثُ أصْلٌ عظيمٌ مِنْ أُصُولِ الإسلامِ، وهوَ كالمِيزانِ للأعمالِ فِي ظاهِرِهَا، كما أنَّ حديثَ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )ميزانٌ للأعمالِ فِي باطِنِهَا، فكما أنَّ كُلَّ عَمَلٍ لا يُرادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تعالى فلَيْسَ لعامِلِهِ فيهِ ثوابٌ، فكذلكَ كُلُّ عَمَلٍ لا يكونُ عليهِ أمْرُ اللَّهِ ورسولِهِ فهوَ مَرْدُودٌ على عامِلِهِ، وكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ ما لمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ورسولُهُ فليسَ مِن الدِّينِ فِي شيءٍ.

وسيأتِي حديثُ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) ).

وكانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ فِي خُطْبَتِهِ: (( أَصْدَقُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ) ). وسَنُؤَخِّرُ الكلامَ على المُحْدَثاتِ إلى ذِكْرِ حديثِ العِرْبَاضِ المُشَارِ إليهِ، ونَتَكَلَّمُ هَا هُنَا على الأعمالِ التي ليسَ عليهَا أَمْرُ الشَّارِعِ وَرَدِّهَا.

فهذا الحَدِيثُ يَدُلُّ بمَنْطُوقِهِ على أنَّ كُلَّ عَمَلٍ ليسَ عليهِ أَمْرُ الشَّارِعِ فهوَ مَرْدُودٌ، ويَدُلُّ بمفهومِهِ على أنَّ كلَّ عَمَلٍ عليهِ أَمْرُهُ فهوَ غيرُ مَرْدُودٍ. والمُرادُ بأمرِهِ هَا هُنَا: دِينُهُ وشَرْعُهُ، كالمرادِ بقولِهِ فِي الروايَةِ الأخرَى: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ ) ).

فالمعنَى إذًا: أنَّ مَنْ كانَ عَمَلُهُ خَارِجًا عن الشَّرْعِ ليسَ مُتَقَيِّدًا بالشَّرْعِ فهوَ مَرْدُودٌ.

وقولُهُ: (( لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا ) )، إِشَارَةٌ إلى أنَّ أعمالَ العامِلِينَ كُلِّهم يَنْبَغِي أنْ تكُونَ تحتَ أحكامِ الشَّريعةِ، وتكونَ أحكامُ الشَّريعةِ حاكِمَةً عليهَا بأمرِهَا ونَهْيِهَا، فمَنْ كانَ عَمَلُهُ جارِيًا تحتَ أحكامِ الشَّرعِ مُوَافِقًا لهَا فهوَ مَقْبولٌ، ومَنْ كانَ خارِجًا عنْ ذلكَ فهوَ مَرْدُودٌ.

والأعمالُ قسمانِ: عباداتٌ، ومُعَامَلاتٌ.

فأمَّا العباداتُ، فمَا كانَ مِنهَا خارِجًا عنْ حُكْمِ اللَّهِ ورسولِهِ بالكُلِّيَّةِ فهوَ مَرْدودٌ على عامِلِهِ، وعامِلُهُ يَدْخُلُ تحتَ قولِهِ: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشُّورَى: 21] . فمَنْ تَقَرَّبَ إلى اللَّهِ بعَمَلٍ لمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ ورسولُهُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ، فَعَمَلُهُ باطِلٌ مَرْدُودٌ عليهِ، وهوَ شَبِيهٌ بحالِ الذينَ كانَتْ صَلاتُهم عندَ البيتِ مُكَاءً وتَصْدِيَةً، وهذا كمَنْ تَقَرَّبَ إلى اللَّهِ تعالَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت