الصفحة 49 من 391

بسَمَاعِ المَلاهِي، أوْ بالرَّقْصِ، أوْ بكَشْفِ الرَّأسِ فِي غيرِ الإحرامِ، وما أَشْبَهَ ذلكَ مِن المُحْدَثَاتِ التي لمْ يُشَرِّع اللَّهُ ورسولُهُ التَّقرُّبَ بهَا بالكُلِّيَّةِ.

وليسَ ما كانَ قُرْبَةً فِي عبادَةٍ يكونُ قُرْبَةً فِي غيرِهَا مُطْلَقًا، فقدْ رَأَى النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلًا قائِمًا فِي الشمسِ، فسأَلَ عنهُ، فقيلَ: إنَّهُ نَذَرَ أنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدَ ولا يَسْتَظِلَّ وأنْ يَصُومَ، فأَمَرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يَقْعُدَ ويَسْتَظِلَّ، وأنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ. فلَم يَجْعَلْ قيامَهُ وبُرُوزَهُ للشَّمسِ قُرْبَةً يُوفَى بنَذْرِهِمَا. وقدْ رُوِيَ أنَّ ذلكَ كانَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ عندَ سماعِ خُطْبَةِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهوَ على المِنْبَرِ، فنَذَرَ أنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدَ ولا يَسْتَظِلَّ ما دَامَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ؛ إِعْظَامًا لسماعِ خُطْبَةِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولمْ يَجْعَل النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلكَ قُرْبَةً تُوَفِّي بنَذْرِهِ، معَ أنَّ القِيامَ عِبادةٌ فِي مواضِعَ أُخَرَ، كالصلاةِ والأَذَانِ والدُّعاءِ بعَرَفَةَ، والبُرُوزَ للشَّمسِ قُرْبَةٌ للْمُحْرِمِ. فدَلَّ على أنَّهُ ليسَ كُلُّ ما كانَ قُرْبَةً فِي مَوْطِنٍ يكونُ قُرْبَةً فِي كلِّ المواطِنِ، وإنَّما يُتَّبَعُ فِي ذلكَ ما وَرَدَتْ بِهِ الشَّريعَةُ فِي مواضِعِهَا.

وكذلكَ مَنْ تَقَرَّبَ بعبادَةٍ نُهِيَ عنهَا بِخُصُوصِهَا، كمَنْ صامَ يَوْمَ العِيدِ، أوْ صَلَّى فِي وَقْتِ النَّهْيِ.

وأمَّا مَنْ عَمِلَ عملًا أصْلُهُ مَشْرُوعٌ وقُرْبَةٌ، ثمَّ أَدْخَلَ فيهِ ما ليسَ بمَشْرُوعٍ، أوْ أَخَلَّ فيهِ بمَشْرُوعٍ، فهذا مُخَالِفٌ أيضًا للشَّريعَةِ بقَدْرِ إخلالِهِ بما أَخَلَّ بِهِ، أوْ إِدْخَالِهِ ما أَدْخَلَ فيهِ، وهلْ يكُونُ عَمَلُهُ منْ أَصْلِهِ مَرْدُودًا عليهِ أمْ لا؟ فهذا لا يُطْلَقُ القولُ فيهِ برَدٍّ ولا قَبُولٍ، بلْ يُنْظَرُ فيهِ، فإنْ كانَ ما أَخَلَّ بِهِ مِنْ أجزاءِ العَمَلِ أوْ شُرُوطِهِ مُوجِبًا لِبُطْلانِهِ فِي الشَّريعَةِ، كمَنْ أَخَلَّ بالطَّهَارَةِ للصَّلاةِ معَ القُدْرَةِ عليهَا، أوْ كمَنْ أخَلَّ بالرُّكوعِ أوْ بِالسُّجُودِ أوْ بالطُّمَأْنِينَةِ فيهما، فهذا عَمَلُهُ مَرْدُودٌ عليهِ، وعليهِ إعادَتُهُ إنْ كانَ فَرْضًا. وإنْ كانَ ما أَخَلَّ بهِ لا يُوجِبُ بُطلانَ العَمَلِ، كَمَنْ أخَلَّ بالجماعَةِ للصَّلاةِ المكتوبَةِ عندَ مَنْ يُوجِبُهَا ولا يَجْعَلُهَا شَرْطًا، فَهَذَا لا يُقالُ: إنَّ عمَلَهُ مردودٌ مِنْ أصلِهِ، بلْ هوَ ناقِصٌ.

وإنْ كانَ قدْ زادَ فِي العمَلِ المشروعِ ما ليسَ بمشروعٍ، فَزِيَادَتُهُ مردودةٌ عليهِ، بمعنَى أنَّهَا لا تكونُ قُرْبَةً ولا يُثابُ عليهَا، ولكنْ تارَةً يَبْطُلُ بهَا العَمَلُ منْ أَصْلِهِ فيكونُ مردودًا، كمَنْ زادَ فِي صلاتِهِ رَكْعَةً عَمْدًا مثلًا، وتارَةً لا يُبْطِلُهُ ولا يَرُدُّهُ مِنْ أصلِهِ، كمَنْ تَوَضَّأَ أرْبَعًا أربعًا، أوْ صامَ اللَّيلَ معَ النَّهارِ وواصَلَ فِي صيامِهِ. وقدْ يُبَدِّلُ بَعْضَ ما يُؤْمَرُ بهِ فِي العبادَةِ بما هوَ مَنْهِيٌّ عنهُ، كمَنْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ فِي الصَّلاةِ بثَوْبٍ مُحَرَّمٍ، أوْ تَوَضَّأَ للصَّلاةِ بمَاءٍ مَغْصُوبٍ، أوْ صَلَّى فِي بُقْعَةٍ غَصْبٍ، فهذا قد اخْتَلَفَ العلماءُ فيهِ: هلْ عَمَلُهُ مردودٌ مِنْ أصلِهِ، أوْ أنَّهُ غيْرُ مردودٍ وتَبْرَأُ بهِ الذِّمَّةُ مِنْ عُهْدَةِ الواجِبِ؟ وأكثرُ الفقهاءِ على أنَّهُ ليسَ بمردودٍ منْ أصلِهِ. وقدْ حَكَى عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ عنْ قومٍ مِنْ أصحابِ الكلامِ، يُقالُ لهم: الشِّمَرِيَّةُ، أصْحَابُ أبي شِمْرٍ، أنَّهم يقولونَ: إنَّ مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ كانَ فِي ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ أنَّ عليهِ إعادَةَ صَلاتِهِ، وقالَ: ما سَمِعْتُ قَوْلًا أَخْبَثَ مِنْ قولِهِم، نسألُ اللَّهَ العافِيَةَ. وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ منْ أكابِرِ فُقَهَاءِ أهلِ الحديثِ المُطَّلِعِينَ على مقالاتِ السَّلَفِ، وقد اسْتَنْكَرَ هذا القولَ وجَعَلَهُ بِدْعَةً، فدَلَّ على أنَّهُ لمْ يُعْلَمْ عنْ أحدٍ من السَّلَفِ القَوْلُ بإعادَةِ الصَّلاةِ فِي مثلِ هذا.

ويُشْبِهُ هذا الحَجُّ بمالٍ حَرَامٍ، وقدْ وَرَدَ فِي حديثٍ أنَّهُ مَرْدُودٌ على صاحِبِهِ، ولكنَّهُ حديثٌ لا يَثْبُتُ، وقد اخْتَلَفَ العلماءُ هلْ يَسْقُطُ بِهِ الفَرْضُ أمْ لا؟

وقَرِيبٌ مِنْ ذلكَ الذَّبْحُ بآلَةٍ مُحَرَّمَةٍ، أوْ ذَبْحُ مَنْ لا يَجُوزُ لَهُ الذَّبْحُ، كالسَّارِقِ. فأكثرُ العلماءِ قالُوا: إنَّهُ تُبَاحُ الذَّبِيحَةُ بذلكَ، ومِنهم مَنْ قالَ: هِي مُحَرَّمَةٌ. وكذا الخِلافُ فِي ذَبْحِ المُحْرِمِ للصَّيْدِ، لكنَّ القوْلَ بالتَّحريمِ فيهِ أشْهَرُ وأَظْهَرُ؛ لأنَّهُ مَنْهِيٌّ عنهُ بعَيْنِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت