الصفحة 55 من 391

[النحل:44] وما قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى أَكْمَلَ له ولأُمَّتِهِ الدِّينَ، ولِهذا أُنْزِلَ عليه بِعَرَفَةَ قَبْلَ موتِهِ بمدَّةٍ يسيرةٍ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تَرَكْتُكُمْ عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ ) ).

وقال أَبُو ذَرٍّ: تُوُفِّيَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما طائِرٌ يُحَرِّكُ جَناحَيْهِ في السَّماءِ إلَّا وقدْ ذَكَرَ لنا منه عِلْمًا.

ولمَّا شَكَّ النَّاسُ في موتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال عَمُّه العَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"واللَّهِ ما ماتَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَرَكَ السَّبِيلَ نَهْجًا واضِحًا، وأَحَلَّ الحلالَ وحَرَّمَ الحرامَ، ونَكَحَ وطَلَّقَ، وحَارَبَ وسَالَمَ، وما كان رَاعِي غَنَمٍ يَتْبَعُ بها رُءوسَ الجبالِ يَخْبِطُ عليها العِضاهَ بمِخْبَطِهِ، ويَمْدُرُ حَوْضَها بِيَدِهِ بِأَنْصَبَ ولا أَدْأَبَ مِن رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ فِيكُم".

وفى الجملةِ فما تَرَكَ اللَّهُ ورسولُه حلالًا إلَّا مُبيَّنًا، ولا حرامًا إلَّا مُبيَّنًا، لكنَّ بعضَه كْانَ أَظْهَرَ بَيانًا مِن بعضٍ، فما ظَهَرَ بيانُه، واشْتَهَرَ، وعُلِمَ مِن الدِّينِ بالضَّرورة مِن ذلك لم يَبْقَ فيه شَكٌّ، ولا يُعْذَرُ أحدٌ بجهلِهِ في بلدٍ يَظْهَرُ فيه الإسلامُ، وما كان بيانُه دونَ ذلك، فمِنه ما اشْتَهَرَ بينَ حَمَلةِ الشَّريعةِ خاصَّةً، فأَجْمَعَ العلماءُ على حِلِّهِ أو حُرْمَتِهِ، وقد يَخْفَى على بعضِ مَن ليس مِنهم، ومنه ما لم يَشْتَهِرْ بينَ حملةِ الشَّريعةِ أيضًا، فاخْتَلَفُوا في تَحْلِيلِهِ وتحريمِهِ وذلك لأَسبابٍ:

منها: أنَّه قد يَكونُ النَّصُّ عليه خَفِيًّا لم يَنْقُلْه إلَّا قليلٌ مِن النَّاسِ، فلم يَبْلُغْ جميعَ حملةِ العِلمِ.

ومنها: أَنَّه قد يُنْقَلُ فيه نصَّانِ؛ أَحدُهما بالتَّحليلِ، والآخَرُ بالتَّحريمِ، فيَبْلُغُ طائفةً أَحدُ النَّصَّيْنِ دونَ الآخَرِينَ، فيَتَمَسَّكُونَ بما بَلَغَهم، أو يَبْلُغُ النَّصَّانِ معًا مَن لم يَبْلُغْه التَّاريخُ، فيَقِفُ لِعدمِ معرفَتِهِ بالنَّاسخِ.

ومنها: ما ليس فيه نَصٌّ صريحٌ، وإنَّما يُؤْخَذُ مِن عُمومٍ أو مَفْهومٍ أو قِياسٍ، فتَخْتَلِفُ أفهامُ العلماءِ في هذا كثيرًا.

ومنها: ما يكونُ فيه أمرٌ، أو نَهْيٌ، فتَخْتَلِفُ العلماءُ في حَمْلِ الأمرِ على الوُجوبِ أو النَّدْبِ، وفي حَمْلِ النَّهْيِ على التَّحريمِ أو التَّنْزِيهِ، وأسبابُ الاختلافِ أَكْثرُ مِمَّا ذَكَرْنَا.

ومَعَ هذا فلا بُدَّ في الأُمَّةِ مِن عالمٍ يُوافِقُ قولُه الحقَّ، فيكونُ هو العالِمَ بهذا الحُكْمِ، وغيرُه يَكونُ الأمرُ مُشْتَبِهًا عليه، ولا يكونُ عالِمًا بهذا؛ فإنَّ هذه الأمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على ضَلالةٍ، ولا يَظْهَرُ أهلُ باطِلِها على أَهْلِ حَقِّهَا، فلا يَكونُ الحقُّ مَهْجُورًا غيرَ مَعْمولٍ به في جميعِ الأَمْصارِ والأَعْصارِ، ولهذا قال رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المُشْتَبِهاتِ: (( لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) ). فدَلَّ على أَنَّ مِن النَّاسِ مَن يَعْلَمُها، وإنَّما هي مُشْتَبِهةٌ على مَن لم يَعْلَمْهَا، وليست مُشْتَبِهَةً في نفسِ الأمرِ، فهذا هو السَّببُ المُقْتَضِي لاشْتباهِ بعضِ الأشياءِ على كثيرٍ مِن العلماءِ.

وقد يَقَعُ الاشتباهُ في الحلالِ والحرامِ بالنِّسبةِ إلى العُلماءِ وغيرِهم مِن وجهٍ آخَرَ، وهو أنَّ مِن الأشياءِ ما يُعْلَمُ سببُ حِلِّه وهو المِلْكُ المُتَيَقَّنُ، ومنها ما يُعْلَمُ سببُ تحريمِهِ وهو ثُبوتُ مِلْكِ الغيرِ عليه.

فالأوَّلُ لا تَزُولُ إباحَتُه إلَّا بيقينِ زَوالِ المِلْكِ عنه، اللَّهُمَّ إلَّا في الأَبْضاعِ عندَ مَن يُوْقِعُ الطَّلاقَ بالشَّكِّ فيه كمَالِكٍ، أو إِذا غَلَبَ على الظَّنِّ وقوعُهُ كإسحاقَ بنِ رَاهُويَهْ.

والثَّاني: لا يَزُولُ تحريمُه إِلَّا بيقينِ العِلْمِ بانْتِقالِ المِلْكِ فيه.

وأمَّا ما لا يُعْلَمُ له أصلُ مِلْكٍ كما يَجِدُه الإنسانُ في بَيْتِه ولا يَدْرِي: هل هو له أو لِغيرِه؟ فهذا مُشْتَبِهٌ، ولا يَحْرُمُ عليه تَناوُلُه؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ ما في بيتِهِ مِلْكُه لِثُبوتِ يَدِهِ عليه، والوَرَعُ اجْتِنابُهُ، فقد قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيَهَا ) )خَرَّجاه في"الصَّحيحَيْنِ". فإنْ كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت