الصفحة 56 من 391

هناك مِن جِنْسِ المَحْظورِ، وشكَّ هل هو مِنْه أم لا؟ قَوِيَت الشُّبْهَةُ. وفي حديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَهُ أَرَقٌ مِن الليلِ، فقال له بعضُ نِسائِهِ: يا رسولَ اللَّهِ، أَرِقْتَ الليلةَ. فقال: (( إِنِّي كُنْتُ أَصَبْتُ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِي، فَأَكَلْتُهَا وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ ) ).

ومن هذا أيضًا ما أصلُهُ الإِباحةُ كَطهارةِ الماءِ، والثَّوبِ، والأَرْضِ إذا لم يُتَيَقَّنْ زوالُ أصلِهِ، فيَجُوزُ استعمالُه، وما أصلُهُ الحَظْرُ كالأَبْضاعِ ولُحومِ الحيوانِ، فلا يَحِلُّ إلا بِيقينِ حِلِّهِ مِن التَّذْكِيَةِ والعَقْدِ، فإنْ تَرَدَّدَ في شيءٍ من ذلك لِظُهورِ سَبَبٍ آخَرَ رَجَعَ إلى الأَصْلِ فبَنَى عَلَيْهِ، فيَبْنِي فيما أصلُهُ الحُرْمَةُ على التَّحريمِ، ولهذا نَهَى النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أَكْلِ الصَّيْدِ الذي يَجِدُ فيه الصَّائدُ أَثَرَ سَهْمٍ غيرِ سَهْمِهِ، أو كَلْبٍ غيرِ كَلْبِهِ، أو يَجِدُه قد وَقَعَ في ماءٍ، وعَلَّلَ بأنَّه لا يُدْرَى: هل ماتَ مِن السَّببِ المُبِيحِ له أو مِن غَيْرِهِ، ويَرْجِعُ فيما أَصْلُهُ الحِلُّ إلى الحِلِّ، فلا يُنَجَّسُ الماءُ والأرضُ والثَّوبُ بمَجَرَّدِ ظَنِّ النَّجاسةِ، وكذلك البَدَنُ إذا تَحَقَّقَ طَهارَتُه، وشَكَّ: هل انْتَقَضَتْ بالحَدثِ؟ عندَ جمهورِ العلماءِ خِلافًا لِمالِكٍ رَحِمَه اللَّهُ إذا لم يَكُنْ قد دَخَلَ في الصَّلاةِ. وقد صَحَّ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَّهُ شُكِيَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) )وفي بعضِ الرواياتِ: (( فِي المَسْجِدِ ) )بدلَ الصَّلاةِ.

وهذا يَعُمُّ حالَ الصَّلاةِ وغيرِها، فإنْ وُجِدَ سَببٌ قَوِيٌّ يَغْلِبُ معَه على الظَّنِّ نَجاسةُ ما أصلُه الطَّهارةُ، مِثلُ أن يكونَ الثَّوبُ يَلْبَسُه كافرٌ لا يَتَحَرَّزُ من النَّجاساتِ، فهذا مَحَلُّ اشْتِباهٍ، فمِن العُلماءِ مَنْ رخَّصَ فيه أَخْذًا بالأَصْلِ، ومِنْهُم مَن كَرِهَهُ تَنْزِيهًا، ومِنْهُمْ مَن حَرَّمَهُ إذا قَوِيَ ظَنُّ النَّجاسةِ، مِثلَ أن يكونَ الكافرُ مِمَّنْ لا تُباحُ ذَبِيحتُه أو يكونَ مُلاقِيًا لعَوْرِتِه كالسَّرَاوِيلِ والقَمِيصِ، وتَرْجِعُ هذه المسائلُ وشَبَهُها إلى قاعدةِ تَعارُضِ الأَصْلِ والظَّاهرِ؛ فإنَّ الأصلَ الطَّهارةُ، والظَّاهرَ النَّجاسةُ. وقد تَعارَضَتِ الأدلَّةُ في ذلكَ.

فالقائلونَ بالطَّهارةِ يستدلُُُُّون بأنَّ اللَّهَ أَحلَّ طَعامَ أَهْلِ الكِتابِ، وطعامُهم إنَّما يَصْنَعُونَه بأَيْدِيهِم في أَوَانِيهم، وقد أَجَابَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَةَ يَهُودِيٍّ، وكان هو وأصحابُه يَلْبَسُون ويَسْتَعْمِلُون ما يُجْلَبُ إليهم مِمَّا نَسَجَه الكفَّارُ من الثِّيابِ والأَوَاني، وكانوا في المَغازِي يَقْتَسِمُون ما وَقَعَ لهم مِن الأَوْعِيةِ والثِّيابِ، ويَسْتَعْمِلُونَها، وصَحَّ عنهم أنَّهم اسْتَعْمَلُوا الماءَ مِن مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ.

والقائلون بالنَّجاسةِ يَسْتَدِلُّون بأنَّه صَحَّ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه سُئِلَ عن آنيةِ أَهْلِ الكتابِ الَّذينَ يَأْكُلُون الخِنْزِيرَ، ويَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فقال: إن لم تَجِدُوا غيرَها، فاغْسِلُوهَا بالماءِ ثُمَّ كُلُوا فِيهَا.

وقد فَسَّر الإِمامُ أحمدُ الشُّبهةَ بأنَّها مَنْزِلَةٌ بينَ الحَلالِ والحرامِ، يَعْنِي: الحلالَ المَحْضَ والحرامَ المحضَ، وقال: مَنِ اتَّقاها، فقد اسْتَبْرَأَ لِدينِهِ، وفَسَّرَها تارةً باخْتَلاطِ الحلالِ والحرامِ.

ويَتَفَرَّعُ على هذا مُعاملةُ مَن في مالِهِ حَلالٌ وحرامٌ مُخْتَلِطٌ، فإنْ كان أَكْثَرُ مَالِهِ الحرامَ؛ فقال أحمدُ: يَنْبَغِي أنْ يَجْتَنِبَه إلَّا أنْ يكونَ شَيْئًا يسيرًا، أو شيئًا لا يُعْرَفُ، واخْتَلَفَ أصحابُنَا: هل هو مَكْروهٌ أو مُحَرَّمٌ؟ على وَجْهَيْنِ.

وإن كان أكثرُ مالِهِ الحلالَ، جازَت مُعاملتُهُ والأَكْلُ مِن مالِهِ. وقد رَوَى الحارثُ عن عَلِيٍّ، أنَّه قال في جَوَائزِ السَّلْطانِ: لا بَأْسَ بها، ما يُعْطِيكُم مِن الحلالِ أكثرُ مِمَّا يُعْطِيكُم مِن الحرامِ. وكان النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابُهُ يُعامِلونَ المُشْرِكِينَ وأهلَ الكتابِ مع عِلْمِهم بَأْنَّهم لا يَجْتَنِبُون الحرامَ كُلَّه.

وإن اشْتَبَهَ الأمرُ فهو شُبْهَةٌ، والوَرَعُ تركُه. قال سُفْيانُ: لا يُعْجِبُني ذلك، وتركُه أَعْجَبُ إِليَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت