الصفحة 57 من 391

وقال الزُّهْرِيُّ ومَكْحُولٌ: لا بأسَ أن يُؤْكَلَ منه ما لم يُعْرَفْ أنَّه حرامٌ بِعَيْنِه، فإن لم يُعْلَمْ في مالِهِ حرامٌ بعينِه، ولكنَّه عُلِمَ أنَّ فيه شُبْهةً؛ فلا بأسَ بالأكلِ منه، نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ حَنْبَلٍ. وذهَبَ إِسْحاقُ بنُ رَاهُويَهْ إلى ما رُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ وسَلْمانَ وغيرِهِما مِن الرُّخْصةِ، وإلى ما رُوِيَ عَن الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ في إباحةِ الأَخْذِ مِمَّا يَقْضِي مِن الرِّبا والقِمارِ، نَقَلَه عنه ابنُ مَنْصورٍ.

وقال الإِمامُ أحمدُ في المالِ المُشْتَبِهِ حلالُه بحرامِهِ: إنْ كان المالُ كثيرًا، أَخْرَجَ منه قَدْرَ الحرامِ، وتَصَرَّفَ في الباقي، وإن كان المالُ قليلًا، اجْتَنَبَه كُلَّه؛ وهذا لأنَّ القليلَ إذا تَناوَلَ منه شيئًا، فإنَّه تَبْعُدُ معه السَّلامةُ مِن الحرامِ بِخِلافِ الكثيرِ، ومِن أصحابِنَا مَنْ حَمَل ذلك على الوَرَعِ دُونَ التَّحريمِ، وأَبَاحَ التَّصَرُّفَ في القليلِ والكثيرِ بعدَ إخراجِ قَدْرِ الحرامِ منه، وهو قولُ الحَنَفِيَّةِ وغيرِهم، وأَخَذ به قَوْمٌ مِن أهلِ الوَرَعِ منهم بِشْرٌ الحافي.

ورَخَّص قومٌ مِن السَّلفِ في الأكلِ مِمَّن يُعْلَمُ في مالِهِ حرامٌ ما لم يُعْلَمْ أنَّه مِن الحرامِ بعينِهِ، كما تَقَدَّمَ عن مَكْحولٍ والزُّهْريِّ، ورُوِيَ مثلُه عن الفُضَيْلِ بنِ عِياضٍ.

ورُوِيَ في ذلك آثارٌ عن السَّلفِ، فصَحَّ عن ابنِ مَسْعودٍ أنَّه سُئِلَ عمَّن له جارٌ يَأْكُلُ الرِّبا عَلانيةً ولا يَتَحَرَّجُ من مالٍ خبيثٍ يَأْخُذُه يَدْعُوه إلى طَعامِهِ، قال: أَجِيبُوهُ، فإنَّما المَهْنأُ لكم والوِزْرُ عليه. وفي رِوايةٍ أنَّه قال: لا أَعْلَمُ له شَيْئًا إلَّا خَبِيثًا أو حرامًا، فقال: أَجِيبُوَه. وقد صَحَّحَ الإِمامُ أحمدُ هذا عن ابنِ مَسْعُودٍ، ولكنَّه عارَضَه بما رُوِيَ عنه أنَّه قال: الإِثْمُ حَوَازُّ القُلوبِ.

ورُوِيَ عن سَلْمانَ مِثْلُ قَوْلِ ابنِ مَسْعُودٍ الأوَّلِ، وعن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، ومُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ، وابنِ سِيرِينَ وغيرِهم.

والآثارُ بِذلك مَوجودةٌ في كِتابِ (( الأَدَبِ ) )لحُمَيْدِ بنِ زَنْجُويَه، وبَعْضُها في كِتابِ (( الجامعِ ) )للخَلَّالِ، وفي مُصَنَّفَيْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وابنِ أَبِي شَيْبَةَ وغيرِهم.

ومتى عُلِمَ أنَّ عَيْنَ الشَّيءِ حرامٌ، أُخِذَ بوجهٍ مُحَرَّمٍ، فإنَّه يَحْرُمُ تنَاوُلُه، وقد حَكَى الإِجْماعَ على ذلك ابنُ عَبْدِ البَرِّ وغيرُه، وقد رُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ في الرَّجلِ يُقْضَى مِن الرِّبَا، قال: لا بأسَ به، وعن الرَّجلِ يُقْضَى مِن القِمارِ قال: لا بأسَ به. خَرَّجَه الخَلَّالُ بإسنادٍ صحيحٍ، ورُوِيَ عن الحَسَنِ خِلافُ هذا، وأنَّه قال: إنَّ هذه المَكاسِبَ قد فَسَدَت، فخُذُوا مِنها شُبَهَ المُضْطَرِّ.

وعارَضَ المَرْوِيَّ عن ابنِ مَسْعُودٍ وسَلْمانَ، ما رُوِيَ عن أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّه أَكَل طَعامًا ثُمَّ أُخْبِرَ أنَّه مِن حَرَامٍ، فاسْتَقَاءَهُ.

وقد يَقَعُ الاشتباهُ في الحُكْمِ، لِكَوْنِ الفَرْعِ مُتَرَدِّدًا بينَ أُصولٍ تَجْتَذِبُه، كتَحْرِيمِ الرَّجلِ زَوْجَتَه؛ فإنَّ هذا مُتَرَدِّدٌ بينَ تحريمِ الظِّهارِ الذي تَرْفَعُه الكَفَّارةُ الكُبْرَى، وبينَ تحريمِ الطَّلْقةِ الوَاحدةِ بانْقِضاءِ عِدَّتِها الذي تُباحُ معه الزَّوْجةُ بعَقْدٍ جَدِيدٍ، وبينَ تَحْريمِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ الذي لا تُباحُ معه الزَّوجةُ بِدونِ زَوْجٍ وإِصابةٍ وبينَ تَحْريمِ الرَّجلِ عليه ما أَحَلَّه اللَّهُ له مِن الطَّعامِ والشَّرابِ الذي لا يُحَرِّمُه، وإنَّما يُوجِبُ الكَفَّارةَ الصُّغْرَى، أو لا يُوجِبُ شيئًا على الاخْتِلافِ في ذلك، فمِن ههنا كَثُرَ الاخْتلافُ في هذه المسألةِ مِن زَمَنِ الصَّحابةِ فمَن بَعْدَهم.

وبكُلِّ حَالٍ، فالأُمورُ المُشْتَبِهةُ التي لا يَتَبَيَّنُ أنَّها حَلالٌ ولا حرامٌ لِكثيرٍ مِن النَّاسِ، كما أَخْبَرَ به النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قد يَتَبيَّنُ لبعضِ النَّاسِ أنَّها حلالٌ أو حرامٌ؛ لِمَا عِندَه مِن ذلك مِن مَزِيدِ عِلْمٍ، وكلامُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ على أنَّ هذه المُشْتَبِهاتِ مِن النَّاس مَن يَعْلَمُها، وكثيرٌ منهم لا يَعْلَمُها، فدَخَلَ فيمَن لا يَعْلَمُها نوعان:

أحدُهما: مَن يَتَوَقَّفُ فيها؛ لاشتباهِهَا عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت