الصفحة 60 من 391

وقال الحسنُ: ما زالَت التَّقْوَى بالمُتَّقِينَ حتَّى تَرَكُوا كَثِيرًا من الحلالِ مَخافَةَ الحرامِ.

وقال الثَّوْريُّ: إنَّما سُمُّوا المُتَّقِينَ؛ لأنَّهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقَى. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، قال: إنِّي لأُحِبُّ أَنْ أدَعَ بيني وبينَ الحرامِ سُتْرةً مِن الحلالِ لا أَخْرِقُها. وقال مَيْمُونُ بنُ مِهْرانَ: لا يَسْلَمُ للرَّجُلِ الحلالُ حتَّى يَجْعَلَ بينَه وبينَ الحرامِ حاجِزًا مِن الحلالِ.

وقال سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: لا يُصِيبُ عَبْدٌ حقيقةَ الإِيمانِ حتَّى يَجْعَلَ بينَه وبينَ الحرامِ حاجزًا من الحلالِ، وحتَّى يَدَعَ الإثمَ وما تَشَابَهَ منه.

ويَسْتَدِلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يَذْهَبُ إلى سَدِّ الذَّرَائعِ إلى المُحَرَّماتِ وتَحْرِيمِ الوَسَائلِ إليها، ويَدُلُّ على ذلك أيضًا مِن قواعدِ الشَّرِيعةِ: تَحْرِيمُ قليلِ ما يُسْكِرُ كثيرُه، وتحريمُ الخَلْوَةِ بالأَجْنَبِيَّةِ، وتحريمُ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبْحِ وبعدَ العَصْرِ سَدًّا لذَرِيعةِ الصَّلاةِ عندَ طُلوعِ الشَّمْسِ وعندَ غروبِها، ومَنْعُ الصَّائمِ مِن المُبَاشرةِ إذا كانَتْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَه، ومَنَعَ كَثِيرٌ مِن العُلماءِ مُباشرةَ الحائِضِ فيما بينَ سُرَّتِها ورُكْبَتِها إلَّا مِنْ وَرَاءِ حائلٍ، كما كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ امْرَأتَه إذا كانَتْ حائِضًا أن تَتَّزِرَ، فيُباشِرَها مِن فَوْقِ الإِزارِ. ومِن أمثلةِ ذلك وهو شَبِيهٌ بالمَثَلِ الذي ضَرَبَه النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَن سَيَّبَ دابَّتَه تَرْعَى بِقُرْبِ زَرْعِ غَيْرِه، فإنَّه ضامِنٌ لِمَا أَفْسَدَتْهُ مِن الزَّرْعِ، ولو كان ذلك نَهَارًا، هذا هو الصَّحيحُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بإِرْسالِها في هذه الحالِ.

وكذا الخَلَّافُ لو أَرْسَلَ كَلْبَ الصَّيْدِ قريبًا مِن الحَرَمِ، فدَخَلَ الحَرَمَ فصَادَ فيه، ففِي ضَمانِهِ رِوايتانِ عن أَحْمَدَ، وقيلَ: يَضْمَنُه بِكُلِّ حالٍ.

وقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) )، فيه إشارةٌ إلى أنَّ صَلاحَ حَرَكَاتِ العَبْدِ بجَوَارِحِهِ، واجتنابَهُ للمُحَرَّماتِ واتِّقاءَهُ للشُّبهاتِ بِحَسَبِ صَلاحِ حَركةِ قَلْبِهِ.

فإنْ كان قلبُه سَلِيمًا، ليس فيه إلَّا مَحَبَّةُ اللَّهِ ومَحَبَّةُ ما يُحِبُّه اللَّهُ، وخَشْيَةُ اللَّهِ، وخَشْيَةُ الوُقوعِ فيما يَكْرَهُهُ، صَلَحَت حَركاتُ الجوَارِحِ كُلِّها، ونَشَأَ عن ذلك اجْتِنابُ المُحَرَّماتِ كُلِّها، وتَوَقِّي الشُّبُهاتِ حَذَرًا مِن الوُقوعِ في المحرَّماتِ.

وإنْ كان القَلْبُ فاسدًا، قد اسْتَوْلَى عليه اتِّباعُ هَوَاهُ، وطَلَبُ ما يُحِبُّه، ولو كَرِهَهُ اللَّهُ، فَسَدَت حركاتُ الجوارحِ كُلِّها، وانْبَعَثَت إلى كُلِّ المَعاصِي والمُشْتَبِهاتِ بِحَسَبِ اتِّباعِ هَوَى القَلْبِ.

ولهذا يُقالُ: القلبُ مَلِكُ الأَعْضاءِ، وبَقِيَّةُ الأعضاءِ جُنودُه، وهم مع هذا جُنودٌ طائِعون له، مُنْبَعِثُون في طاعَتِهِ، وتَنْفِيذِ أَوَامرِهِ، لا يُخَالِفُونَه في شيءٍ من ذلك، فإن كان المَلِكُ صالحًا كانَتْ هذه الجُنودُ صالِحَةً، وإن كان فاسدًا كانت جُنودُه بهذه المَثابَةِ فاسدةً، ولا يَنْفَعُ عندَ اللَّهِ إِلَّا القَلْبُ السَّلِيمُ، كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88 - 89] ، وكان النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ في دُعائِهِ: (( أَسْألُكَ قَلْبًا سَلِيمًا ) )، فالقلبُ السَّليمُ: هو السَّالمُ مِن الآفاتِ والمَكْرُوهاتِ كُلِّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سِوَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وما يُحِبُّه اللَّهُ، وخَشْيَةِ اللَّهِ، وخَشْيَةِ ما يُباعِدُ منه.

وفي"مُسْنَدِ"الإِمامِ أحمدَ، عن أَنَسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ) ).

والمُرادُ باستقامةِ إيمانِهِ: استقامةُ أَعْمالِ جوارحِهِ؛ فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا تَسْتَقِيمُ إلَّا باستقامةِ القَلْبِ، ومعنى استقامةِ القلبِ أن يَكُونَ مُمْتَلِئًا مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، ومحبَّةِ طاعتِهِ، وكَراهةِ مَعْصِيَتِهِ.

قال الحَسَنُ لِرَجُلٍ: دَاوِ قَلْبَكَ؛ فإنَّ حاجةَ اللَّهِ إلى العِبادِ صَلاحُ قلوبِهم. يَعْنِي: أنَّ مُرادَه مِنْهم ومَطْلُوبَه صَلاحُ قُلوبِهِم، فلا صَلاحَ للقلوبِ حتَّى تَسْتَقِرَّ فيها معرفةُ اللَّهِ وعَظَمتُه ومحبَّتُه وخَشْيَتُهُ ومَهابَتُه ورَجاؤُهُ والتَّوَكُّلُ عليه، وتَمْتَلِئَ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةُ التَّوحيدِ، وهو معنى (( لا إلهَ إلَّا اللَّهُ ) )، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى يَكونَ إلَهُهَا الذي تَأْلَهُهُ وتَعْرِفُهُ وتُحِبُّه وتَخْشَاه هو اللَّهَ وَحْدَه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت