الصفحة 61 من 391

لا شَرِيكَ له، ولو كان في السَّماواتِ والأَرْضِ إلهٌ يُؤَلَّهُ سِوَى اللَّهِ، لَفَسَدَت بذلك السَّماواتُ والأرضُ، كما قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22] .

فعُلِمَ بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ مَعًا حتَّى تَكُونَ حَركاتُ أَهْلِهَا كُلُّها لِلهِ، وحركاتُ الجَسَدِ تابعةً لحركةِ القلبِ وإرادَتِهِ، فإن كانت حَرَكتُه وإرادتُه لِلَّهِ وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كُلِّه، وإن كانت حَرَكةُ القلبِ وإرادتُهُ لغيرِ اللَّهِ تعالى، فَسَدَ، وفَسَدَت حركاتُ الجَسَدِ بحَسَبِ فَسادِ حركةِ القلبِ.

ورَوَى اللَّيْثُ عن مُجاهِدٍ في قولِهِ تعالى: {لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام:151] قال: لا تُحِبُّوا غَيْرِي.

وفي"صحيحِ الحاكمِ"عن عائشةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (( الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ، وَأَنْ تُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ؟ ) )قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] فهذا يَدُلُّ على أنَّ مَحَبَّةَ ما يَكْرَهُهُ اللَّهُ، وبُغْضَ ما يُحِبُّه مُتَابعةٌ لِلهَوَى، والمُوَالاةُ على ذلك والمُعاداةُ عليه مِن الشِّرْكِ الخَفِيِّ، ويَدُلُّ على ذلك قولُهُ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فجَعَلَ اللَّهُ عَلامةَ الصِّدْقِ في مَحبَّتِهِ اتِّباعَ رسولِهِ، فدَلَّ على أَنَّ المحبَّةَ لا تَتِمُّ بدونِ الطَّاعةِ والموافقةِ.

قال الحَسَنُ: قال أصحابُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا حُبًّا شَدِيدًا. فأَحَبَّ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِحُبِّهِ عَلَمًا، فأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} . ومِن هنا قال الحَسَنُ: اعْلَمْ أنَّك لن تُحِبَّ اللَّهَ حتَّى تُحِبَّ طاعَتَهُ.

وسُئِلَ ذُو النُّونِ: متى أُحِبُّ رَبِّي؟ قال: إذا كان ما يُبْغِضُهُ عندَك أَمَرَّ من الصَّبرِ. وقال بِشْرُ بنُ السَّرِيِّ: ليس مِن أَعْلامِ الحُبِّ أن تُحِبَّ ما يُبغِضُه حبيبُكَ، وقال أبو يَعْقُوبَ النَّهْرُجُورِيُّ: كلُّ مَن ادَّعَى محبَّةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولم يُوافِق اللَّهَ في أَمْرِهِ، فدَعْوَاه باطلٌ. وقال رُوَيْمٌ: المحبَّةُ الموافَقَةُ في كُلِّ الأحوالِ، وقال يَحْيَى بنُ مُعاذٍ: ليس بصادقٍ مَن ادَّعَى محبَّةَ اللَّهِ ولم يَحْفَظْ حُدودَه، وعن بعضِ السَّلفِ قال: قَرَأْتُ في بعضِ الكُتُبِ السَّالفةِ: مَن أَحَبَّ اللَّهَ لم يَكُنْ عندَه شيءٌ آثرَ مِن رِضاه، ومَن أحَبَّ الدُّنْيا لم يَكُنْ عندَه شيءٌ آثرَ مِن هَوَى نَفْسِهِ.

وفي"السُّنَنِ"عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، وَأَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ ) )ومعنى هذا أنَّ حَركاتِ القَلْبِ والجوارحِ إذا كانت كُلُّها لِلَّهِ فقد كَمُلَ إيمانُ العَبْدِ بذلك ظاهِرًا وباطنًا، ويَلْزَمُ مِن صلاحِ حركاتِ القلبِ صَلاحُ حركاتِ الجوارحِ، فإذا كان القلبُ صالحًا ليس فيه إلَّا إرادةُ اللَّهِ وإرادةُ ما يُرِيدُه لم تَنْبَعِث الجوارحُ إلَّا فيما يُرِيدُه اللَّهُ، فسَارَعَت إلى ما فيه رِضاه، وكَفَّتْ عمَّا يَكْرَهُهُ، وعمَّا يَخْشَى أن يَكُونَ مِمَّا يَكْرَهُهُ وإن لم يَتَيَقَّنْ ذلك.

قال الحَسَنُ: ما نَظَرْتُ بِبَصَرِي، ولا نَطَقْتُ بلِساني، ولا بَطَشْتُ بيدِي، ولا نَهَضْتُ على قَدَمِي حتَّى أَنْظُرَ على طاعةٍ أو على مَعْصيةٍ؟ فإن كانت طاعةً تَقَدَّمْتُ، وإن كانت معصيةً تَأَخَّرْتُ.

وقال محمدُ بنُ الفَضْلِ البَلْخِيُّ: ما خَطَوْتُ منذُ أربعين سَنَةً خُطْوَةً لغيرِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ. وقِيلَ لدَاوُدَ الطَّائِيِّ: لو تَنَحَّيْتَ مِن الظِّلِّ إلى الشَّمسِ، فقال: هذه خُطًا لا أَدْرِي كيف تُكْتَبُ.

فهؤلاء القومُ لَمَّا صَلَحَت قلوبُهم، فلَمْ يَبْقَ فيها إرادةٌ لِغيرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، صَلَحَت جوارحُهُم، فلَمْ تَتَحَرَّكْ إلَّا لِلَّهِ عزَّ وجَلَّ، وبما فيه رِضاه، واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.

الحديثُ السابعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت