فهرس الكتاب
وأمَّا النَّصيحةُ التي هي نافلةٌ، فهي إِيثارُ محبَّتِهِ على محبَّةِ نَفْسِهِ، وذلك أن يَعْرِضَ أمرانِ، أحدُهما لنفسِهِ، والآخَرُ لرَبِّه، فيَبْدَأُ بما كان لرَبِّه، ويُؤَخِّرُ ما كان لنفسِهِ، فهذه جُملةُ تَفْسِيرِ النَّصيحةِ للهِ، الفَرْضُ منه والنَّافلةُ، ولذلك تَفْسِيرٌ، وسَنَذْكُرُ بعضَه لِيفْهَمَ بالتَّفْسِيرِ مَن لا يَفْهَمُ الجُملةَ.
فالفَرْضُ منها مُجانبةُ نَهْيِهِ، وإقامةُ فَرْضِهِ بجميعِ جوارِحِهِ ما كَان مُطِيقًا له، فإن عَجَزَ عن الإِقامةِ بفَرْضِه لآِفَةٍ حَلَّتْ به من مَرَضٍ، أو حَبْسٍ، أو غيرِ ذلك، عَزَمَ على أداءِ ما افْتَرَضَ عليه متى زالت عنه العِلَّةُ المانعةُ له، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] ، فسَمَّاهُم مُحْسِنين لِنصيحتِهِم للهِ بقلوبِهم لَمَّا مُنِعُوا من الجِهادِ بأَنْفُسِهِم.
وقد تُرْفَعُ الأَعْمالُ كُلُّها عن العَبْدِ في بعضِ الحالاتِ، ولا يُرْفَعُ عنه النَّصحُ لِلَّهِ، فلو كان مِن المَرَضِ بحالٍ لا يُمْكِنُه عمَلٌ بشيءٍ من جوارِحِه بلِسانٍ ولا غَيْرِه، غيرَ أنَّ عَقْلَه ثابتٌ، لم يَسْقُطْ عنه النُّصْحُ للهِ بقَلْبِهِ وهو أنْ يَنْدَمَ على ذُنوبِهِ، ويَنْوِيَ إنْ صَحَّ أن يَقُومَ بما افْتَرَضَ اللَّهُ عليه، ويَجْتَنِبَ ما نَهاه عنه، وإلَّا كان غيرَ ناصحٍ للهِ بقلبِهِ.
وكذلك النُّصحُ للهِ ولرسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أَوْجَبَه على النَّاسِ عن أَمْرِ رَبِّه، ومِن النُّصحِ الواجبِ للهِ أنْ لا يَرْضَى بمعصيةِ العاصِي، ويُحِبَّ طاعةَ مَن أَطَاعَ اللَّهَ ورسولَهُ.
وأمَّا النصيحةُ التي هي نافلةٌ لا فَرْضٌ، فبَذْلُ المَجْهُودِ بإيثارِ اللَّهِ على كُلِّ مَحْبوبٍ بالقلبِ وسائرِ الجوارِحِ حتَّى لا يَكُونَ في النَّاصحِ فَضْلٌ عن غَيْرِهِ؛ لأنَّ النَّاصِحَ إذا اجْتَهَد، لم يُؤْثِرْ نفسَهُ عليه، وقام بكُلِّ ما كان في القِيامِ به سُرورُه ومحبَّتُه، فكذلك النَّاصحُ لرَبِّه، ومَن تَنَفَّلَ للهِ بدونِ الاجتهادِ، فهو ناصحٌ على قَدْرِ عَمَلِهِ، غيرُ مُسْتَحِقٍّ للنُّصحِ بكَمالِهِ.
وأمَّا النَّصيحةُ لكتابِ اللَّهِ، فشِدَّةُ حُبِّه وتَعْظِيمُ قَدْرِهِ؛ إذ هو كلامُ الخالقِ، وشِدَّةُ الرَّغبةِ في فَهْمِهِ، وشِدَّةُ العِنايةِ لتَدَبُّرِهِ والوُقوفِ عندَ تِلاوَتِهِ لِطلَبِ مَعانِي ما أَحَبَّ مَوْلاه أنْ يَفْهَمَه عنه، ويَقُومَ به له بعدَ ما يَفْهَمُه، وكذلك النَّاصحُ مِن العِبادِ يَفْهَمُ وَصِيَّةَ مَن يَنْصَحُهُ، وإنْ وَرَد عليه كِتابٌ منه، عُنِيَ بفَهْمِهِ لِيَقُومَ عليه بما كُتِبَ به فيه إليه، فكذلك الناصحُ لِكتابِ رَبِّه، يُعْنَى بفَهْمِهِ لِيَقُومَ للهِ بما أَمَرَ به كما يُحِبُّ ويَرْضَى، ثُمَّ يَنْشُرُ ما فَهِمَ في العِبادِ ويُدِيمُ دِراسَتَه بالمحبَّةِ له، والتَّخَلُّقِ بأخلاقِهِ، والتَأَدُّبِ بآدابِهِ.
وأمَّا النَّصيحةُ للرَّسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حَياتِهِ، فبَذْلُ المجهودِ في طاعتِهِ ونُصْرَتِهِ ومُعاونتِهِ، وبَذْلُ المالِ إِذا أرادَه والمُسارعةُ إلى مَحَبَّتِهِ. وأمَّا بعدَ وَفاتِهِ: فالعِنايةُ بطَلَبِ سُنَّتِهِ، والبَحْثُ عن أخلاقِهِ وآدابِهِ، وتَعْظِيمُ أَمْرِهِ، ولُزومُ القِيامِ به، وشِدَّةُ الغَضَبِ والإِعْراضُ عَمَّن تَدَيَّنَ بِخِلافِ سُنَّتِهِ، والغَضَبُ على مَن ضَيَّعَها لأَثَرةِ دُنْيَا، وإن كان مُتَدَيِّنًا بها، وحُبُّ مَنْ كان منه بسَبِيلٍ مِن قَرابةٍ، أو صِهْرٍ، أو هِجْرةٍ أو نُصْرةٍ، أو صُحْبةٍ ساعةً مِن لَيْلٍ أو نهارٍ على الإِسلامِ، والتَّشَبُّهُ به في زِيِّهِ ولِباسِهِ.
وأمَّا النصيحةُ لأئمَّةِ المسلمين، فحُبُّ صَلاحِهِم ورُشْدِهِم وعَدْلِهم، وحُبُّ اجتماعِ الأمَّةِ عليهم، وكَرَاهةُ افْتِراقِ الأمَّةِ عليهم، والتَّدَيُّنُ بطاعتِهِم في طاعةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، والبُغْضُ لِمَن رَأَى الخُروجَ عليهم، وحُبُّ إِعْزازِهِم في طاعةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وأمَّا النَّصيحةُ لِلمسلمين، فأنْ يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لِنفسِهِ، ويَكْرَهَ لهم ما يَكْرَهُ لنفسِهِ، ويُشْفِقَ عليهم، ويَرْحَمَ صغيرَهم، ويُوَقِّرَ كبيرَهم، ويَحْزَنَ لحزنِهم، ويَفْرَحَ لفرحِهِم، وإنْ ضَرَّه ذلك في دنياه كرُخْصِ أسعارِهِم، وإنْ كان في ذلك فَواتُ رِبْحِ ما يَبِيعُ مِن تِجارتِهِ، وكذلك جميعُ ما يَضُرُّهم عامَّةً، ويُحِبَّ صلاحَهم وإِلْفَتَهم ودوامَ النِّعَمِ عليهم، ونَصْرَهم على عَدُوِّهِم، ودَفْعَ كُلِّ أَذًى ومَكْروهٍ عنهم.
وقال أبو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ: النَّصيحةُ كلمةٌ جامعةٌ تَتَضَمَّنُ قِيامَ النَّاصحِ للمَنْصُوحِ له بوُجوهِ الخيرِ إرادةً وفعلًا.