الصفحة 65 من 391

فالنصيحةُ للهِ تعالى: توحيدُه ووَصْفُه بصِفاتِ الكمالِ والجَلالِ، وتَنْزِيهُه عمَّا يُضادُّها ويُخالِفُها، وتَجَنُّبُ مَعاصِيه، والقِيامُ بطاعاتِهِ ومَحابِّهِ بوَصْفِ الإِخلاصِ، والحُبُّ فيه والبُغْضُ فيه، وجِهادُ مَنْ كَفَرَ به تعالى وما ضَاهَى ذلك، والدُّعاءُ إلى ذلك، والحَثُّ عليه.

والنَّصيحةُ لِكتابِهِ: الإِيمانُ به وتَعْظِيمُه وتَنْزِيهُه، وتِلاوتُه حَقَّ تِلاوتِهِ، والوقوفُ مع أوامرِهِ ونَوَاهِيهِ، وتَفَهُّمُ عُلومِهِ وأَمْثالِهِ، وتَدَبُّرُ آياتِهِ، والدُّعاءُ إليه، وذَبُّ تَحْرِيفِ الغَالِينَ وطَعْنِ المُلْحِدِينَ عنه.

والنَّصيِحةُ لِرسولِهِ قَرِيبٌ من ذلك: الإِيمانُ به وبما جاء به وتَوْقِيرُه وتَبْجِيلُهُ، والتَّمسُّكُ بطاعتِهِ، وإحياءُ سُنَّتِهِ واسْتِثارةُ عُلومِها ونَشْرُها، ومُعاداةُ مَن عاداه وعاداها، ومُوالاةُ مَن وَالاه ووَالاها، والتَّخَلُّقُ بأخلاقِهِ، والتَأَدُّبُ بآدَابِهِ ومَحَبَّةُ آلِهِ وصَحابتِهِ ونحوُ ذلك.

والنَّصيحةُ لأئمَّةِ المسلمين: مُعاونتُهُم على الحَقِّ، وطاعتُهُم فيه، وتَذْكِيرُهم به، وتَنْبِيهُهُم في رِفْقٍ ولُطْفٍ، ومُجانبةُ الوُثوبِ عليهم، والدُّعاءُ لهم بالتَّوْفيقِ وحَثُّ الأَغْيارِ على ذلك.

والنَّصيحةُ لعامَّةِ المسلمين: إِرْشادُهم إلى مَصالحِهم، وتَعْلِيمُهُم أمورَ دِينِهِم ودُنْياهم، وسَتْرُ عَوْرَاتِهِم، وسَدُّ خَلَّاتِهِم، ونُصْرَتُهُم على أعدائِهِم، والذَّبُّ عنهم، ومجانبةُ الغِشِّ والحَسَدِ لهم، وأنْ يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لنفسِهِ، ويَكْرَهَ لهم ما يَكْرَهُهُ لنفسِهِ، وما شابَهَ ذلك. انْتَهَى ما ذَكَرَه.

ومِن أنواعِ نُصْحِهِم بِدفعِ الأَذَى والمَكْرُوهِ عنهم إيثارُ فَقِيرِهِم وتَعْليمُ جاهِلِهم، ورَدُّ مَن زاغ منهم عن الحَقِّ في قولٍ أو عملٍ بالتَّلَطُّفِ في رَدِّهم إلى الحَقِّ، والرِّفْقُ بهم في الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْيِ عن المُنْكَرِ مَحَبَّةً لإِزالةِ فَسادِهِم ولو بحُصُولِ ضَرَرٍ له في دُنْياه، كما قال بعضُ السَّلفِ: وَدِدْتُ أنَّ هذا الخَلْقَ أطاعُوا اللَّهَ وإنْ لَحْمِي قُرِضَ بالمَقارِيضِ، وكان عُمَرُ بنُ عَبْدِ العزيزِ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي عَمِلْتُ فيكم بِكِتابِ اللَّهِ وعَمِلْتُم به، فكُلَّما عَمِلْتُ فيكم بسُنَّةٍ، وَقَعَ مِنِّي عُضْوٌ حتَّى يَكُونَ آخِرَ شيءٍ منها خُروجُ نَفْسِي.

ومِن أنواعِ النُّصحِ للهِ تعالى وكتابِهِ ورسولِهِ -وهو مِمَّا يَخْتَصُّ به العُلماءُ - رَدُّ الأهواءِ المُضِلَّةِ بالكتابِ والسُّنَّةِ، وبَيانُ دَلالتِهِمَا على ما يُخالِفُ الأهواءَ كُلَّها، وكذلك رَدُّ الأَقْوالِ الضَّعِيفةِ مِن زَلَّاتِ العُلماءِ، وبَيانُ دَلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ على رَدِّها، ومِن ذلك بَيانُ ما صَحَّ مِن حديثِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما لَمْ يَصِحَّ منه بِتَبَيُّنِ حالِ رُواتِهِ ومَنْ تُقْبَلُ رِواياتُهُ منهم ومَن لا تُقْبَلُ، وبَيانُ غَلَطِ مَنْ غَلِطَ مِن ثِقاتِهِم الذين تُقْبَلُ رِوايتُهُم.

ومِن أَعْظَمِ أَنْواعِ النُّصْحِ أن يَنْصَحَ لِمَن اسْتَشَارَه في أَمْرِهِ، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَنْصَحْ لَهُ"وفي بعضِ الأحاديثِ: (( إِنَّ مِنْ حَقِّ المُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْصَحَ لَهُ إِذَا غَابَ ) )ومعنى ذلك: أنَّه إذا ذُكِرَ في غَيْبِهِ بالسُّوءِ أنْ يَنْصُرَه، ويَرُدَّ عنه، وإذا رَأَى مَن يُرِيدُ أَذَاه في غَيْبِهِ، كَفَّه عن ذلك؛ فإنَّ النُّصْحَ في الغَيْبِ يَدُلُّ على صِدْقِ النُّصحِ، فإنَّه قد يُظْهِرُ النُّصْحَ في حُضورِهِ تَمَلُّقًا، ويَغُشُّه في غَيْبِهِ.

وقال الحَسَنُ: إنَّك لن تَبْلُغَ حَقَّ نَصِيحَتِك لأخِيكَ حتَّى تَأْمُرَه بما تَعْجِزُ عنه. قال الحَسَنُ: وقال بعضُ أصحابِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والذي نَفْسِي بِيدِه إنْ شِئْتُم لأُقْسِمَنَّ لكم باللَّهِ إنَّ أَحَبَّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ الذين يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلى عِبادِهِ ويُحَبِّبُون عِبادَ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ويَسْعَوْنَ في الأَرْضِ بالنَّصِيحةِ.

وقال فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ: قَرَأْتُ في بعضِ الكُتُبِ: المُحِبُّ للهِ عزَّ وجلَّ أميرٌ مُؤَمَّرٌ على الأمراءِ، زُمْرَتُه أوَّلُ الزُّمَرِ يومَ القيامةِ، ومَجْلِسُه أَقْرَبُ المجالسِ فيما هناك والمحبَّةُ مُنْتَهَى القُرْبَةِ والاجْتهادِ، ولنْ يَسْأَمَ المُحِبُّونَ مِن طُولِ اجْتهادِهِم للهِ عزَّ وجلَّ، يُحِبُّونَه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت