فهرس الكتاب
وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِن حديثِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، ويَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، فَقَدِ اعْتَصَمُوا وَعَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ).
وخَرَّجَه ابنُ ماجَةَ مُخْتَصَرًا.
وخَرَّج نَحْوَه مِن حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيضًا، ولكنَّ المَشْهورَ مِن رِوايةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ليس فيه ذِكْرُ: إِقامِ الصلاةِ، ولا إِيتاءِ الزَّكاةِ ففِي"الصَّحيحَيْنِ"عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) )وفي رِوايةٍ لمُسْلِمٍ: (( حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ ) ).
وخَرَّجَه مُسْلِمٌ أيضًا من حديثِ جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلفظِ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ الأوَّلِ وزَادَ في آخِرِهِ: ثُمَّ قَرَأَ: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية:21] .
وخرَّج أيضًا من حديثِ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عن أَبِيهِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ).
وقد رُوِيَ عن سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ أنَّه قالَ: كانَ هذا في أوَّلِ الإِسلامِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ والهِجْرَةِ، وهذا ضعيفٌ جدًّا، وفي صِحَّتِهِ عن سفيانَ نَظَرٌ؛ فإن رُوَاةَ هذه الأحاديثِ إنما صَحِبُوا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينةِ، وبعضُهُم تَأَخَّرَ إسلامُه.
ثم قولُه: (عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) يَدُلُّ على أنه كانَ عندَ هذا القولِ مَأْمُورًا بالقِتَالِ، وبقتلِ مَن أبى الإسلامَ، وهذا كُلُّه بعدَ هِجْرَتِهِ إلى المدينةِ، ومِن المعلومِ بالضَّرورةِ أن النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَقْبَلُ مِنْ كُلِّ مَن جاءَه يُرِيدُ الدُّخولَ في الإسلامِ الشَّهادتيْنِ فقط، ويَعْصِمُ دَمَه بذلك، ويَجْعَلُه مُسْلِمًا، وقد أنْكَرَ على أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ قتْلَه لِمَن قالَ: لَا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، لَمَّا رَفَعَ عليه السَّيفَ، واشْتَدَّ نكيرُه عليه.
ولم يكنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَرِطُ على مَنْ جاءَه يُرِيدُ الإِسلامَ أن يَلْتَزِمَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ، بل قد رُوِيَ أنه قَبِلَ مِن قومٍ الإِسلامَ، واشْتَرَطُوا أن لا يُزَكُّوا؛ ففي"مُسْنَدِ الإِمامِ أحمدَ"عن جابِرٍ قالَ: اشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ على رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لا صدقةَ عليها ولا جِهَادَ، وأنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( سَيَصَّدَّقُونَ ويُجَاهِدُونَ ) ).
وفيه أيضًا على نَصْرِ بنِ عاصِمٍ اللَّيْثِيِّ عن رجلٍ مِنهم أنه أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأسلَمَ على أن لا يُصَلِّيَ إلا صلاتَيْنِ، فقَبِلَ مِنه.
أخَذَ الإمامُ أحمدُ بهذه الأحاديثِ، وقالَ: يَصِحُّ الإِسلامُ على الشَّرطِ الفاسِدِ، ثم يُلْزَمُ بشرائِعِ الإِسلامِ كُلِّها، واسْتَدَلَّ أيضًا بأن حكيمَ بنَ حِزَامٍ قالَ: بايَعْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن لا أَخِرَّ إلا قائِمًا. قال أحمدُ: معناه أن يَسْجُدَ مِن غيرِ رُكُوعٍ. وخرَّجَ محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا عن أنَسٍ، قالَ: لم يَكُن النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ مَن أجابَه إلى الإِسلامِ إلا بإِقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وكانتا فريضَتَيْنِ على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالإِسلامِ، وذلك قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {فإِذْ لَمْ تَفعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المُجَادَلَة:13] وهذا لا يَثْبُتُ، وعلى تقديرِ ثُبُوتِهِ، فالمرادُ مِنه أنه لم يكنْ يُقِرُّ أحدًا دخَلَ في الإِسلامِ على تَرْكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وهذا حَقٌّ؛ فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مُعَاذًا لَمَّا بَعَثَه إلى اليَمَنِ أن يَدْعُوَهُم أوَّلًا إلى الشَّهادتيْن، وقالَ: (( إِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ بِالزَّكَاةِ ) ). ومرادُه أن مَن صارَ مُسْلِمًا