فهرس الكتاب
بدخولِهِ في الإِسلامِ أُمِرَ بعدَ ذلك بإقامِ الصَّلاةِ، ثم بإيتاءِ الزَّكاةِ، وكانَ مَن سأَلَه عن الإسلامِ يَذْكُرُ له معَ الشَّهادتيْن بقيَّةَ أركانِ الإسلامِ، كما قالَ لجبريلَ عليه السَّلامُ لما سأَلَه عن الإسلامِ، وكما قال للأعرابِيِّ الذي جاءَه ثَائِرَ الرَّأسِ يسألُ عن الإِسلامِ.
وبهذا الذي قرَّرْنَاه يَظْهَرُ الجمعُ بينَ ألفاظِ أحاديثِ هذا البابِ، ويَتَبَيَّنُ أن كُلَّها حقٌّ؛ فإن كَلِمَتَي الشَّهادتيْن بمُجَرَّدِهِمَا تَعْصِمُ مَن أتَى بِهِمَا، ويَصِيرُ بذلك مُسْلِمًا، فإذا دَخَلَ في الإسلامِ، فإنْ أقامَ الصَّلاةَ، وآتى الزَّكاةَ، وقامَ بشرائِعِ الإِسلامِ، فله ما للمُسلِمينَ، وعليه ما عليهم، وإن أَخَلَّ بشيءٍ مِن هذه الأركانِ، فإن كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قُوتِلُوا.
وقد ظنَّ بعضُهم أن معنَى الحديثِ أنَّ الكافِرَ يُقَاتَلَ حتى يأتِيَ بالشَّهادتيْن، ويُقِيمَ الصَّلاةَ، ويُؤْتِيَ الزكاةَ، وجعلوا ذلك حُجَّةً على خِطابِ الكفَّارِ بالفروعِ، وفي هذا نَظَرٌ، وسيرةُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قِتالِ الكفَّارِ تَدُلُّ على خِلافِ هذا، وفي صحيحِ مسلمٍ عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا عليًّا يومَ خَيْبَرَ، فأعطاه الرايةَ وقالَ: (( امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ حتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ ) ). فسارَ عليٌّ شيئًا، ثم وَقَفَ، فصَرَخَ: يا رسولَ اللَّهِ، على ماذا أُقاتِلُ النَّاسَ؟ فقالَ: (( قاتِلْهُمْ عَلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، فَقَدْ عَصَمُوا مِنْكَ دِمَاءَهُم وَأَمْوالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ). فجَعَلَ مُجَرَّدَ الإِجابةِ إلى الشَّهادتيْن عاصِمَةً للنُّفُوسِ والأموالِ إلا بحَقِّهَا، ومِنْ حقِّها الامتناعُ مِن الصَّلاةِ والزَّكاةِ بعدَ الدُّخولِ في الإِسلامِ كما فَهِمَه الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم.
ومِمَّا يَدُلُّ على قِتالِ الجماعةِ المُمْتَنِعِين مِن إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ مِن القرآنِ قولُه تعالَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] ، وقولُه تعالَى: {فإنْ تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11] وقولُه تعالَى: {وقَاتِلُوهُم حتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ} [البقرة:193] معَ قولِهِ تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا ليَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البَيِّنَة:5] .
وثَبَتَ أن النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِحَ، فإنْ سَمِعَ أذانًا وإلَّا أغارَ عليهم. معَ احتمالِ أن يكونوا قد دَخَلُوا في الإسلامِ. وكان يُوصِي سَرَايَاهُ: (( إِنْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا أَوْ رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا، فَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا ) ).
وقد بَعَثَ عُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ إلى قومٍ مِن بَنِي العَنْبَرِ، فأغارَ عليهم ولم يَسْمَعْ أذانًا، ثم ادَّعَوْا أنهم قد أَسْلَمُوا قبلَ ذلك.
وبعَثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أهلِ عُمَانَ كتابًا فيه: (( مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ إِلى أَهْلِ عُمَانَ، سَلامٌ, أَمَّا بَعْدُ: فَأَقِرُّوا بِشَهادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَدُّوا الزَّكَاةَ، وَخُطُّوا المَسَاجِدَ، وَإِلَّا غَزَوْتُكُمْ ) ). خرَّجَه البَزَّارُ والطَّبَرَانِيُّ وغيرُهما.
فهذا كلُّه يَدُلُّ على أنه كانَ يَعْتَبِرُ حالَ الدَّاخِلِينَ في الإِسلامِ، فإن أقاموا الصلاةَ، وآتَوا الزكاةَ وإلا لَمْ يَمْتَنِعْ عن قِتالِهِم، وفي هذا وَقَعَ تَنَاظُرُ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كما في"الصَّحيحيْن"عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا تُوفِّيَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بعدَه، وكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قالَ عمرُ لأبي بَكْرٍ: كيف تُقَاتِلُ النَّاسَ، وقد قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ). فقالَ أبو بَكْرٍ: واللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَن فرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عِقَالًا كانوا يُؤَدُّونَه إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقَاتَلْتُهم على مَنْعِهِ، فقالَ عمرُ: فواللَّهِ ما هو إلا أن رأَيْتُ أن اللَّهَ قد شَرَحَ صَدْرَ أبي بَكْرٍ للقِتالِ فعَرَفْتُ أنه الحَقُّ.
فأبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أخَذَ قِتَالَهُم مِن قولِه: (إِلَّا بِحَقِّهِ) فَدَلَّ على أن قِتالَ مَن أتى بالشَّهادتيْنِ بحَقِّهِ جائِزٌ، ومِن حقِّه أداءُ حقِّ المالِ الواجِبِ، وعمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ظنَّ أن مُجَرَّدَ الإِتيانِ بالشَّهادتين يَعْصِمُ الدَّمَ في الدُّنيا؛ تَمَسُّكًا بعُمُومِ أوَّلِ الحديثِ