الصفحة 69 من 391

كما ظنَّ طائِفَةٌ مِن الناسِ أن مَن أتَى بالشهادتيْنِ امْتَنَعَ مِن دُخُولِ النَّارِ في الآخِرَةِ؛ تَمَسُّكًا بعمومِ ألفاظٍ وَرَدَت، وليس الأمرُ على ذلك، ثم إن عمرَ رجَعَ إلى موافَقَةِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقد خرَّجَ النَّسَائِيُّ قِصَّةَ تَنَاظُرِ أبي بكرٍ وعمرَ بزيادَةٍ، وهي: أن أبا بكرٍ قالَ لعمرَ: إنما قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأنِّي رَسولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ) ). وخَرَّجَه ابنُ خُزَيْمَةَ في"صحيحِهِ"، ولكنْ هذه الرِّوايةُ أخطَأَ فيها عِمْرَانُ القَطَّانُ إِسْنَادًا ومَتْنًا، قالَه أئِمَّةُ الحُفَّاظِ؛ مِنهم عليُّ بنُ المَدِينِيِّ وأبو زُرْعَةَ وأبو حَاتِمٍ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، ولم يكنْ هذا الحديثُ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا اللَّفظِ عندَ أبي بكرٍ ولا عمرَ، وإنما قالَ أبو بكرٍ: واللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَن فرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ، وهذا أَخَذَه -واللَّهُ أعلمُ - مِن قولِهِ في الحديثِ (( إِلَّا بِحَقِّهَا ) ). وفي روايةٍ: (( إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ ) ). فجَعَلَ مِن حقِّ الإِسلامِ إقامَ الصَّلاةِ، وإيتاءَ الزَّكاةِ، كما أن مِن حقِّهِ أن لا يَرْتَكِبَ الحُدودَ، وجعَلَ كلَّ ذلك مما اسْتَثْنَى بقولِه: (إِلَّا بِحَقِّها) .

وقولُه: لأقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ، يَدُلُّ على أنَّ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ، فإنه يُقَاتَلُ؛ لأنها حَقُّ البَدَنِ، فكذلك مَن تَرَكَ الزَّكاةَ التي هي حقُّ المالِ.

وفي هذا إشارةٌ إلى أن قِتالَ تَارِكِ الصَّلاةِ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عليه؛ لأنه جَعَلَه أصلًا مَقِيسًا عليه، وليسَ هو مَذْكُورًا في الحديثِ الذي احْتَجَّ به عُمَرُ، وإنما أُخِذَ مِن قولِه: (( إِلَّا بِحَقِّها ) )فكذلك الزَّكاةُ؛ لأنها مِن حقِّها، وكلُّ ذلك مِن حقوقِ الإِسلامِ.

ويُسْتَدَلُّ أيضًا على القِتالِ على تَرْكِ الصَّلاةِ بما في"صحيحِ مسلمٍ"عن أَمِّ سَلَمَةَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فتَعْرِفونَ وتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ، فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) )فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ أَلَا نُقاتِلُهُمْ؟ قالَ: (( لَا، مَا صَلَّوْا ) ).

وحُكْمُ مَن تَرَكَ سائِرَ أركانِ الإِسلامِ أن يُقَاتَلُوا عليها كما يُقَاتَلُون على تَرْكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ.

ورَوَى ابنُ شِهَابٍ عن حَنْظَلَةَ بنِ عليِّ بنِ الأَسْقَعِ، أن أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ بعَثَ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ، وأمَرَه أن يُقَاتِلَ النَّاسَ على خَمْسٍ، فمَن تَرَكَ واحِدَةً مِن الخَمْسِ، فقَاتِلْه عليها كما تُقَاتِلُ على الخَمْسِ: شَهَادَةِ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصومِ رمضانَ.

وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ: لو أنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الحَجَّ لقَاتَلْنَاهم عليه، كما نُقاتِلُهم على الصَّلاةِ والزَّكاةِ. فهذا الكلامُ في قِتالِ الطَّائِفَةِ المُمْتَنِعَةِ عن شيءٍ مِن هذه الواجباتِ.

وأمَّا قَتْلُ الواحِدِ المُمْتَنِعِ عنها، فأكْثَرُ العلماءِ على أنه يُقتَلُ المُمْتَنِعُ مِن الصَّلاةِ، وهو قولُ مالِكٍ والشافِعِيِّ وأحمدَ وأبي عُبَيْدٍ، وغيرِهم، ويَدُلُّ على ذلك ما في"الصَّحيحيْنِ"عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أن خالِدَ بنَ الوَلِيدِ اسْتَأْذَنَ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قَتْلِ رجلٍ، فقالَ: (( لَا؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي ) ). فقالَ خالِدٌ: وَكَم مِنْ مُصَلٍّ يقولُ بلسانِهِ ما ليسَ في قلبِهِ. فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُم ) ).

وفي"مُسْنَدِ الإمامِ أحمدَ"عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيَارِ أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ حَدَّثَه أنه أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاسْتَأْذَنَه في قَتْلِ رجلٍ مِن المنافقِين، فقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ) )قالَ: بلَى، ولا شهادةَ له. قالَ: (( أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ ) )قالَ: بلَى، ولا صلاةَ له. قالَ: (( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِيُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِم ) ).

وأمَّا قَتْلُ المُمْتَنِعِ مِن أداءِ الزَّكاةِ، ففيه قولانِ لِمَن قالَ: يُقْتَلُ المُمْتَنِعُ مِن فِعْلِ الصَّلاةِ:

أحدُهما: يُقْتَلُ أيضًا، وهو المشهورُ عن أحمدَ، ويَسْتَدِلُّ له بحديثِ ابنِ عمرَ هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت