الصفحة 70 من 391

والثَّاني: لا يُقْتَلُ، وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأحمدَ في روايَةٍ.

وأمَّا الصَّوْمُ فقالَ مالِكٌ وأحمدُ في روايةٍ عنه: يُقْتَلُ بتَرْكِهِ، وقالَ الشَّافعِيُّ وأحمدُ في روايةٍ: لا يُقْتَلُ بذلك، ويَسْتَدِلُّ له بحديثِ ابنِ عمرَ وغيرِه مِمَّا في معنَاه؛ فإنه ليسَ في شيءٍ مِنها ذِكْرُ الصوْمِ، ولهذا قالَ أحمدُ في روايةِ أبي طالِبٍ: الصَّومُ لم يَجِئْ فيه شَيْءٌ. قُلْتُ: قد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا وموقوفًا: إن مَن تَرَكَ الشَّهادتيْنِ أو الصَّلاةَ أو الصِّيامَ، فهو كافِرٌ حلالُ الدَّمِ، بخلافِ الزَّكاةِ والحجِّ، وقد سَبَقَ ذِكْرُه في شرْحِ حديثِ: (( بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ) ).

وأما الحَجُّ، فَعَنْ أحمدَ في القَتْلِ بترْكِهِ روايتانِ، وحَمَلَ بعضُ أصحابِنَا روايةَ قَتْلِهِ على مَن أخَّرَه عازِمًا على ترْكِهِ بالكُلِّيَّةِ، أو أَخَّرَه وغَلَبَ على ظنِّهِ الموتُ في عامِهِ، فأمَّا إن أخَّرَه مُعْتَقِدًا أنه على التراخِي كما يقولُهُ كثيرٌ مِن العلماءِ، فلا قَتْلَ بذلك.

وقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِلَّا بِحَقِّهَا) . وفي روايةٍ: (( إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ ) )قد سَبَقَ أن أبا بَكْرٍ أدْخَلَ في هذا الحقِّ فِعْلَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وأن مِن العلماءِ مَن أدْخَلَ فيه فِعْلَ الصيامِ والحَجِّ أيضًا.

ومِن حقِّها ارْتِكَابُ ما يُبِيحُ دمَ المُسْلِمِ مِن المُحَرَّمَاتِ، وقد وَرَدَ تفسيرُ حقِّها بذلك، خرَّجَه الطَّبَرَانِيُّ وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مِن حديثِ أنَسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قالَ: (( أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقَولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) )قِيلَ: وَمَا حَقُّهَا؟ قالَ: (( زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَكُفْرٌ بَعْدَ إِيمانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ، فَيُقْتَلُ بِهَا ) ). ولعلَّ آخِرَه مِن قوْلِ أنَسٍ، وقد قِيلَ: إن الصَّوابَ وَقْفُ الحديثِ كلِّه عليه.

ويَشْهَدُ لهذا ما في"الصَّحيحيْن"عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: (( لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلجَمَاعَةِ ) ). وسيأتِي الكلَامُ على هذا الحديثِ مُسْتَوْفًى عندَ ذِكْرِهِ في مَوْضِعِهِ مِن هذا الكِتابِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالَى.

وقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) يعنِي: أن الشَّهادتيْنِ مع إِقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ تَعْصِمُ دَمَ صاحِبِهَا ومالَه في الدنيا، إلا أن يأتِيَ ما يُبِيحُ دَمَهُ، وأمَّا في الآخِرَةِ، فحسابُه على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فإن كانَ صادِقًا أَدْخَلَه اللَّهُ بذلِكَ الجنَّةَ، وإن كانَ كاذِبًا، فإنه مِن جُمْلَةِ المُنَافِقِين في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النَّارِ. وقد تَقَدَّمَ أن في بَعْضِ الرِّواياتِ في"صحيحِ مسلمٍ": ثم تَلَا: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ. إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ. إِنَّ إِلَيْنَا إِيابَهُم. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغَاشِيَة:21 - 26] والمعنَى: إنما عليكَ تذكيرُهم باللَّهِ، ودَعْوَتُهُم إليه، ولَسْتَ مُسَلَّطًا على إِدْخَالِ الإِيمانِ في قُلُوبِهِم قَهْرًا وَلَا مُكَلَّفًا بذلك، ثم أخْبَرَ أن مَرْجِعَ العِبَادِ كلِّهم إليه وحسابَهُم عليه.

وفي"مُسْنَدِ البَزَّارِ"عن عِياضٍ الأنصارِيِّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةٌ عَلَى اللَّهِ كَرِيمةٌ، لَهَا عِنْدَ اللَّهِ مَكانٌ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَنْ قَالَهَا صَادِقًا، أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا كَاذِبًا حَقَنَتْ مَالَه وَدَمَهُ، وَلَقِيَ اللَّهَ غَدًا فَحَاسَبَهُ ) ).

وقد اسْتَدَلَّ بهذا مَن يَرَى قَبُولَ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وهو المُنَافِقُ إذا أَظْهَرَ العَوْدَ إلى الإِسلامِ، ولم يَرَ قَتْلَه بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ نِفَاقِهِ، كما كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعامِلُ المُنَافِقِين، ويُجْرِيهِم على أحكامِ المُسْلِمِين في الظَّاهِرِ معَ عِلْمِهِ بنفاقِ بعضِهم في الباطِنِ، وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ وأحمدَ في روايةٍ عنه، وحَكَاه الخَطَّابِيُّ عن أكثرِ العلماءِ، واللَّهُ أعلَمُ.

الحَدِيثُ التَّاسِعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت