فهرس الكتاب
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ) ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (1) .
(1) هذا الحديثُ بهذا اللَّفْظِ خَرَّجَهُ مسلمٌ وَحْدَهُ منْ روايَةِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ وأبِي سَلَمَةَ، كِلاهُمَا عنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وخَرَّجَاهُ مِنْ روايَةِ أبي الزِّنَادِ عن الأَعْرَجِ، عنْ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ). وخرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طريقيْنِ آخرَيْنِ عنْ أبي هريرةَ بمعناهُ.
وفي رِوَايَةٍ لهُ ذَكَرَ سَبَبَ هذا الحديثِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ، عنْ أبي هريرةَ قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا ) )، فقالَ رَجُلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، حتَّى قَالَها ثلاثًا، فقالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ) )، ثمَّ قالَ: (( ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا أُهْلِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ ) ).
وخرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا، وقالَ فيهِ: فَنَزَلَ قولُهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائِدة: 101] .
وقدْ رُوِيَ مِنْ غيرِ وَجْهٍ أنَّ هذهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الحَجِّ، وقالُوا: أفِي كُلِّ عامٍ؟
وفي (الصَّحيحيْنِ) : عنْ أَنَسٍ قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ فقالَ: (( فُلَانٌ ) )، فَنزلَتْ هذهِ الآيَةُ: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} .
وفيهما أيضًا: عنْ قَتَادَةَ، عنْ أَنَسٍ قالَ: سَأَلُوا رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ في المَسْأَلةِ، فغَضِبَ، فصَعِدَ المِنْبَرَ فَقَالَ: (( لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ ) )، فَقَامَ رَجُلٌ كانَ إذا لَاحَى الرِّجَالَ دُعِيَ إِلى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يا رسولَ اللَّهِ، مَنْ أَبي؟ قَالَ: (( أَبُوكَ حُذَافَةُ ) ). ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن الْفِتَنِ. وكانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عندَ هذا الحديثِ هذهِ الآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} .
وفي (صحيحِ البخاريِّ) : عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقولُ الرَّجلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} .
وخرَّجَ ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ في (تفسيرِهِ) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غَضْبَانُ مُحْمَارٌّ وَجْهُهُ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ فَقَالَ: (( فِي النَّارِ ) )، فقام إِلَيْهِ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبي؟ قَالَ: (( أَبُوكَ حُذَافَةُ ) )، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالقُرْآنِ إِمَامًا، إِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَشِرْكٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ آبَاؤُنا. قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} .
ورَوَى أيضًا مِنْ طريقِ الْعَوْفِيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ في قولِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ، قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ في النَّاسِ فَقالَ: (( يَا قَوْمُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ ) )، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ،