الصفحة 72 من 391

أَفِي كُلِّ عامٍ؟ فَأُغْضِبَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا فَقَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَنْ لَكَفَرْتُمْ، فَاتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلُوا، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ ) )، فَأَنزَلَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ، نَهَاهُم عنْ أنْ يَسْأَلُوا مِثْلَ الذي سَأَلت النَّصارَى في المائِدَةِ، فأَصْبَحُوا بها كافِرِينَ، فنَهَى اللَّهُ تعالى عنْ ذلكَ وقالَ: لا تَسْأَلُوا عنْ أشياءَ إنْ نَزَلَ القرآنُ فيها بتغليظٍ ساءَكُم، ولكن انْتَظِرُوا، فإذا نَزَلَ القرآنُ فإنَّكُم لا تَسْأَلُونَ عنْ شَيْءٍ إلَّا وَجَدْتُمْ تِبْيَانَهُ.

فدلَّتْ هذهِ الأحاديثُ على النَّهيِ عن السُّؤالِ عَمَّا لا يُحْتَاجُ إليهِ ممَّا يَسُوءُ السَّائِلَ جَوَابُهُ، مِثْلُ سُؤَالِ السَّائِلِ: هلْ هوَ في النَّارِ أوْ في الجنَّةِ، وهلْ أَبُوهُ مَنْ يَنْتَسِبُ إليهِ أوْ غيرُهُ. وعلى النَّهيِ عن السُّؤالِ على وَجْهِ التعَنُّتِ والعَبَثِ والاسْتِهْزَاءِ، كما كانَ يَفْعَلُهُ كثيرٌ مِن المُنَافِقِينَ وغيْرُهم.

وقريبٌ مِنْ ذلكَ سُؤَالُ الآياتِ واقْتِرَاحُها على وَجْهِ التعَنُّتِ، كما كانَ يَسْأَلُهُ المُشْرِكُونَ وأهلُ الكِتابِ. وقدْ قالَ عِكْرِمَةُ وغيرُهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذلكَ.

ويَقْرُبُ مِنْ ذلكَ السُّؤالُ عمَّا أَخْفَاهُ اللَّهُ عنْ عِبادِهِ ولمْ يُطْلِعْهُم عليهِ، كالسُّؤالِ عنْ وَقْتِ السَّاعَةِ وعن الرُّوحِ.

ودلَّتْ أيضًا عنْ نَهْيِ المُسْلِمِينَ عن السُّؤالِ عنْ كثيرٍ مِن الحلالِ والحرامِ ممَّا يُخْشَى أنْ يكونَ السُّؤالُ سَبَبًا لنزولِ التَّشديدِ فيهِ، كالسُّؤالِ عَن الحَجِّ: هلْ يَجِبُ كلَّ عامٍ أمْ لا؟

وفي (الصَّحيِحِ) : عنْ سَعْدٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ) ).

ولمَّا سُئِلَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن اللِّعَانِ كَرِهَ المسائِلَ وَعَابَهَا، حتَّى ابْتُلِيَ السائِلُ عنهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ بذلكَ في أهْلِهِ، وكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عنْ: قِيلَ وقالَ، وكثْرَةِ السُّؤالِ، وإضاعةِ المَالِ.

ولمْ يَكُن النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَخِّصُ في المسائِلِ إلَّا للأعرابِ ونحوِهِم من الوُفُودِ القادِمِينَ عليهِ؛ يَتَأَلَّفُهُمْ بذلكَ. فأمَّا المُهاجِرُونَ والأنصارُ المُقِيمونَ بالمدينَةِ الذينَ رَسَخَ الإِيمانُ في قلوبِهِم، فَنُهُوا عَن المَسْأَلَةِ، كما في (صحيحِ مُسلمٍ) : عن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ قالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالمدينةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُني مِن الهِجْرَةِ إِلَّا المَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفيهِ أيضًا: عنْ أَنَسٍ قالَ: نُهِينَا أَنْ نسأَلَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ العَاقِلُ، فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ.

وفي (المُسْنَدِ) : عنْ أبي أُمَامَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ قدْ أَنْزَلَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ، قالَ: فَكُنَّا قَدْ كَرِهْنا كَثِيرًا مِنْ مَسْأَلَتِهِ، واتَّقَيْنا ذَلِكَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَأَتَيْنَا أَعْرَابِيًّا، فَرَشَوْنَاهُ بُرْدًا، ثمَّ قُلْنا لَهُ: سَل النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرَ حَدِيثًا. وفي (مُسْنَدِ أبي يَعْلَى) : عن البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قالَ: إنْ كانَ لَتَأْتِي عَلَيَّ السَّنَةُ أُرِيدُ أنْ أسألَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ شيءٍ، فَأَتَهَيَّبُ مِنهُ، وإنْ كُنَّا لنَتَمَنَّى الأعرابَ.

وفي (مُسْنَدِ البَزَّارِ) : عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: مَا رَأَيْتُ قَوْمًا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَن اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، كُلُّها فِي القُرْآنِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219] ، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217] ، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} [البقرة: 220] ، وذَكَرَ الحديثَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت