الصفحة 73 من 391

وقدْ كانَ أصحابُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَانًا يسْأَلُونَهُ عنْ حُكْمِ حوادِثَ قبلَ وُقُوعِهَا، لكنْ للعَمَلِ بِهَا عندَ وُقُوعِهَا، كما قالُوا لَهُ: إنَّا لَاقُو العَدُوِّ غدًا، وليسَ معَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بالقَصَبِ؟ وسَأَلُوهُ عَن الأُمَراءِ الَّذينَ أَخْبَرَ عنهم بَعْدَهُ، وعنْ طاعَتِهِم وقِتَالِهِم. وسأَلَهُ حُذَيْفَةُ عن الفِتَنِ وما يَصْنَعُ فيها.

فهذا الحديثُ، وهوَ قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ) )، يَدُلُّ على كَرَاهَةِ المسائِلِ وذَمِّها، ولكنَّ بعضَ الناسِ يَزْعُمُ أنَّ ذلكَ كانَ مُخْتَصًّا بزَمَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُخْشَى حينَئِذٍ مِنْ تَحْريمِ ما لمْ يُحَرَّمْ، أوْ إِيجابِ ما يَشُقُّ القيامُ بِهِ. وهذا قدْ أُمِنَ بعدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولكنْ ليسَ هذا وحدَهُ هوَ سببَ كَرَاهَةِ المسائِلِ، بلْ لهُ سَبَبٌ آخَرُ، وهوَ الذي أَشَارَ إليهِ ابنُ عبَّاسٍ في كلامِهِ الذي ذَكَرْنَا بقولِهِ: ولَكِن انْتَظِرُوا، فإذا نَزَلَ القرآنُ فإنَّكُم لا تَسْأَلُونَ عنْ شَيْءٍ إلَّا وَجَدْتُم تِبْيَانَهُ. ومعنَى هذا: أنَّ جميعَ ما يَحْتَاجُ إليهِ المُسْلِمُونَ في دينِهِم لا بُدَّ أنْ يُبَيِّنَهُ اللَّهُ في كتابِهِ العزيزِ، وَيُبَلِّغَ ذلكَ رسولُهُ عنهُ، فلا حاجَةَ بعدَ هذا لأحدٍ في السُّؤالِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى أعْلَمُ بمصالِحِ عبادِهِ مِنهم، فما كانَ فيهِ هِدَايَتُهم ونَفْعُهُم فإنَّ اللَّهَ لا بُدَّ أن يُبَيِّنَهُ لهم ابْتِدَاءً مِنْ غيرِ سؤالٍ، كما قالَ: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] . وحينَئِذٍ، فلا حاجةَ إلى السُّؤالِ عنْ شيءٍ، ولا سِيَّما قبلَ وقوعِهِ والحاجَةِ إليهِ، وإنَّما الحاجةُ المُهِمَّةُ إلى فَهْمِ ما أخْبَرَ اللَّهُ بهِ ورسولُهُ، ثمَّ اتِّبَاعِ ذلكَ والعَمَلِ بِهِ. وقدْ كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَن المسائِلِ، فَيُحِيلُ على القرآنِ، كما سأَلَهُ عُمَرُ عن الكَلَالَةِ، فقالَ: (( يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ ) ).

وأشارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديثِ إلى أنَّ في الاشْتِغَالِ بامْتِثَالِ أمْرِهِ، واجْتِنَابِ نَهْيِهِ، شُغُلًا عن المسائِلِ، فقالَ: (( إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ). فالَّذِي يَتَعَيَّنُ على المُسْلِمِ الاعْتِنَاءُ بِهِ والاهتمامُ أنْ يَبْحَثَ عمَّا جاءَ عن اللَّهِ ورسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَجْتَهِدَ في فَهْمِ ذلكَ والوقوفِ على معانِيهِ، ثمَّ يَشْتَغِلَ بالتَّصدِيقِ بذلكَ إنْ كانَ مِن الأمورِ العِلْمِيَّةِ، وإنْ كانَ مِن الأمورِ العَمَلِيَّةِ بَذَلَ وُسْعَهُ في الاجْتِهَادِ في فِعْلِ ما يَسْتَطِيعُهُ من الأوامِرِ، واجتنابِ ما يُنْهَى عنهُ، وتكونُ هِمَّتُهُ مَصْرُوفَةً بالكُلِّيَّةِ إلى ذلكَ، لا إلى غيرِهِ. وهكذا كانَ حالُ أصحابِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتَّابِعينَ لهم بإِحْسَانٍ في طلَبِ العِلْمِ النَّافِعِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ.

فأمَّا إنْ كانَتْ هِمَّةُ السَّامِعِ مَصْرُوفَةً عندَ سَمَاعِ الأَمْرِ والنَّهيِ إلى فرْضِ أُمُورٍ قدْ تَقَعُ وقدْ لا تَقَعُ، فإنَّ هذا مِمَّا يَدْخُلُ في النَّهيِ، ويُثَبِّطُ عَن الْجِدِّ في مُتَابَعَةِ الأَمْرِ. وقدْ سَأَلَ رَجُلٌ ابنَ عُمَرَ عن اسْتِلامِ الحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُ وَيُقبِّلُهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ عَلَيْهِ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ زُوحِمْتُ؟ فَقَالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ: اجْعَلْ (أَرَأَيْتَ) بِاليَمَنِ، رَأَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ومُرَادُ ابنِ عمرَ أنَّهُ لا يَكُنْ لكَ هَمٌّ إلَّا في الاقْتِدَاءِ بالنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا حَاجَةَ إلى فَرْضِ العَجْزِ عنْ ذلكَ أوْ تَعَسُّرِهِ قبلَ وُقُوعِهِ؛ فإنَّهُ قدْ يُفْتِرُ العَزْمَ عن التَّصْمِيمِ على المُتَابَعَةِ؛ فإنَّ التَّفَقُّهُ في الدِّينِ والسُّؤَالَ عن العِلْمِ إنَّمَا يُحْمَدُ إذا كانَ للعَمَلِ، لا للمِرَاءِ والجِدَالِ.

وقدْ رُوِيَ عنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ ذَكَرَ فِتَنًا تكونُ في آخِرِ الزَّمانِ، فقالَ لَهُ عُمَرُ: متَى ذلكَ يا عَلِيُّ؟ قَالَ: إِذا تُفُقِّهَ لغيرِ الدِّينِ، وتُعُلِّمِ لغيرِ العَمَلِ، والْتُمِسَت الدُّنْيَا بغيرِ الآخِرَةِ.

وعن ابنِ مسعودٍ أنَّهُ قالَ: كيفَ بِكُمْ إِذَا لَبِسَتْكُم فِتْنَةٌ يَرْبُو فيها الصَّغِيرُ، ويَهْرَمُ فيها الكَبِيرُ، وتُتَّخَذُ سُنَّةٌ، فإنْ غُيِّرَتْ يَوْمًا قيلَ: هذا مُنْكَرٌ؟ قالُوا: ومتَى ذلكَ؟ قالَ: إذا قَلَّتْ أُمَنَاؤُكُم، وكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكم، وقَلَّتْ فُقَهَاؤُكم، وكَثُرَ قُرَّاؤُكُم، وتُفُقِّهَ لغيرِ الدِّينِ، والتُمِسَت الدُّنيا بعَمَلِ الآخِرَةِ. خَرَّجَهُمَا عبدُ الرَّزَّاقِ في كتابِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت