فهرس الكتاب
ولهذا المعنَى كانَ كثيرٌ مِن الصَّحَابَةِ والتَّابعِينَ يَكْرَهونَ السُّؤالَ عن الحوادِثِ قبلَ وُقُوعِهَا، ولا يُجِيبُونَ عنْ ذلكَ، قالَ عَمْرُو بنُ مُرَّةَ: خَرَجَ عُمَرُ على النَّاسِ فقالَ: أُحَرِّجُ عليْكُم أنْ تَسْأَلُونا عنْ مَا لَمْ يَكُنْ؛ فإنَّ لنا فيمَا كانَ شُغُلًا.
وعن ابنِ عُمَرَ قالَ: لا تَسْأَلُوا عمَّا لم يَكُنْ؛ فإِنِّي سَمِعْتُ عمرَ لعَنَ السَّائِلَ عمَّا لمْ يَكُنْ.
وكان زَيْدُ بنُ ثابِتٍ إذا سُئِلَ عن الشَّيءِ، يقولُ: كانَ هذا؟ فإنْ قالُوا: لا، قالَ: دَعُوهُ حتَّى يكُونَ.
وقالَ مَسْرُوقٌ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ عنْ شيءٍ، فقالَ: أَكَانَ بَعْدُ؟ فقُلْتُ: لا، فقالَ: أَجِمَّنَا -يعنِي: أَرِحْنَا- حتَّى يكونَ، فإذا كانَ اجْتَهَدْنَا لكَ رَأْيَنَا.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: سُئِلَ عَمَّارٌ عنْ مسألةٍ، فقالَ: هلْ كانَ هذا بَعْدُ؟ قالُوا: لا، قالَ: فدَعُونَا حتَّى يكونَ، فإِذا كانَ تَجَشَّمْنَاهُ لَكُم.
وعن الصَّلْتِ بنِ رَاشِدٍ قالَ: سَأَلْتُ طَاوُوسًا عنْ شيءٍ، فانْتَهَرَنِي وقالَ: أكانَ هذا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: آللَّهِ؟ قُلْتُ: آللَّهِ، قالَ: إنَّ أصحابَنَا أخْبَرُونا عنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ أنَّهُ قالَ: أيُّها النَّاسُ، لا تَعْجَلُوا بالبلاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فيَذْهَبَ بِكُم هَا هُنا وهَا هُنا؛ فإنَّكم إنْ لَمْ تَعْجَلُوا بالبلاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ لمْ يَنْفَكَّ المُسْلِمُونَ أنْ يكونَ فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدِّدَ، أوْ قالَ: وُفِّقَ.
وقدْ خَرَّجَهُ أبو دَاودَ في كتابِ (المَرَاسِيلِ) مرفوعًا منْ طريقِ ابنِ عَجْلَانَ، عنْ طَاوُوسٍ، عنْ مُعَاذٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَنْ إِذَا قَالَ سُدِّدَ أَوْ وُفِّقَ، وَإِنَّكُمْ إِنْ عَجِلْتُمْ تَشَتَّتُ بِكُمُ السُّبُلُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا ) ). ومعنَى إِرْسَالِهِ أنَّ طَاوُوسًا لمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ.
وخرَّجَهُ أيضًا منْ رِوَايَةِ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ أبي سَلَمَةَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمَعْنَاهُ مُرْسَلًا.
ورَوَى حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ: حدَّثَنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ بنَ سَعِيدٍ، رَجُلًا مِنْ بنِي هاشِمٍ، قالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخَنَا يُحَدِّثُونَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَا يَزَالُ فِي أُمَّتِي مَنْ إِذَا سُئِلَ سُدِّدَ وَأُرْشِدَ، حَتَّى يَتَسَاءَلُوا عَنْ مَا لَمْ يَنْزِلْ تَبْيِينُهُ، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ ذُهِبَ بِهِمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا ) ).
وقدْ رُوِيَ عن الصُّنَابِحِيِّ، عنْ مُعَاوِيَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنَّهُ نَهَى عَن الْأُغْلُوطَاتِ. خرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ. وفسَّرَها الأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ: هِيَ شِدَادُ المسَائِلِ. وَقَالَ عِيسَى بنُ يُونُسَ: هِيَ مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ كَيْفَ وَكَيْفَ.
وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يُغَلِّطُونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعُضَلِ الْمَسَائِلِ، أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي ) ).
وَقَالَ الحَسَنُ: شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ شِرَارَ المَسَائِلِ، يَغُمُّونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْرِمَ عَبْدَهُ بَرَكَةَ العِلْمِ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ المَغَالِيطَ، فَلَقَد رَأَيْتُهُم أَقَلَّ النَّاسِ عِلْمًا.
وَقَالَ ابنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَدْرَكْتُ هَذِهِ البَلْدَةَ وَإِنَّهُم لَيَكْرَهُونَ هَذا الإِكْثَارَ الَّذِي فِيهِ النَّاسُ اليَوْمَ. يُرِيدُ المَسَائِلَ.
وَقَالَ أَيْضًا: سَمِعْتُ مَالِكًا وهوَ يَعِيبُ كَثْرَةَ الكَلَامِ وَكَثْرَةَ الفُتْيَا، ثُمَّ قالَ: يَتَكَلَّمُ كَأَنَّهُ جَمَلٌ مُغْتَلِمٌ، يقولُ: هوَ كذا، هوَ كذا، يَهْدِرُ في كَلامِهِ.
وقالَ: سَمِعْتُ مالِكًا يَكْرَهُ الجَوَابَ في كثرةِ المسائِلِ، وقالَ: قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإِسراء: 85] ، فَلَمْ يَأْتِهِ في ذلكَ جَوَابٌ.