فهرس الكتاب
ومِلاكُ الأمرِ كُلِّهِ أنْ يَقْصِدَ بذلكَ وَجْهَ اللَّهِ، والتقرُّبَ إليهِ بِمَعْرِفَةِ ما أَنْزَلَ على رسولِهِ، وسُلُوكِ طَريقِهِ، والعَمَلِ بذلكَ، ودُعَاءِ الخَلْقِ إليهِ. ومَنْ كانَ كذلكَ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَسَدَّدَهُ، وأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ، وعَلَّمَهُ ما لمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وكانَ مِن العُلَمَاءِ المَمْدُوحِينَ في الكتابِ في قولِهِ تعالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فَاطِر: 28] ، ومِن الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ؛ فقدْ خرَّجَ ابنُ أبي حاتِمٍ في (تفسيرِهِ) منْ حديثِ أبي الدَّرْدَاءِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عن الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ، فقالَ: (( مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ، وَمَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، فَذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ) ).
وقالَ نافِعُ بنُ يَزِيدَ: يُقالُ: الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ: المُتَوَاضِعُونَ للَّهِ، وَالْمُتَذَلِّلُونَ للَّهِ في مَرْضَاتِهِ، لا يَتَعَاطَوْنَ مَنْ فَوْقَهم، ولا يُحَقِّرُونَ مَنْ دُونَهُم.
ويَشْهَدُ لهذا قَوْلُ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَبَرُّ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ ) ). وهذا إشارةٌ مِنهُ إلى أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، ومَنْ كانَ على طريقِهِ مِنْ عُلَماءِ أهلِ اليَمَنِ، ثمَّ إلى مِثْلِ أبي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، وأُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، وطَاوُوسٍ، ووَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ، وغيرِهم مِنْ عُلماءِ أهْلِ اليَمَنِ. وكلُّ هؤلاءِ مِن العلماءِ الربَّانِيِّينَ الخائِفِينَ للَّهِ، فكُلُّهم علماءُ باللَّهِ يَخْشَوْنَهُ ويَخَافُونَهُ، وبعضُهم أَوْسَعُ عِلْمًا بأحكامِ اللَّهِ وشرائِعِ دينِهِ مِنْ بعضٍ، ولمْ يكُنْ تَمَيُّزُهم عن النَّاسِ بكَثْرَةِ قِيلَ وقالَ، ولا بَحْثٍ ولا جِدَالٍ.
وكذلكَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بالحلالِ والحرامِ، وهوَ الَّذِي يُحْشَرُ يومَ القيامَةِ أمامَ العلماءِ بِرَتْوَةٍ، ولمْ يَكُنْ عِلْمُهُ بتَوْسِعَةِ المسائِلِ وتَكْثِيرِهَا، بلْ قدْ سَبَقَ عنْهُ كَرَاهَةُ الكلامِ فيما لا يَقَعُ، وإنَّما كانَ عَالِمًا باللَّهِ وعالِمًا بأُصُولِ دينِهِ. وقدْ قِيلَ للإِمامِ أحمدَ: مَنْ نَسْأَلُ بعْدَكَ؟ قالَ: عَبْدَ الْوَهَّابِ الوَرَّاقَ، قيلَ لهُ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ اتِّسَاعٌ في العِلْمِ، قالَ: إنَّهُ رَجُلٌ صالِحٌ مِثْلُهُ يُوَفَّقُ لإِصابَةِ الحَقِّ.
وسُئِلَ عنْ مَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ، فقالَ: كانَ معَهُ أصلُ العِلْمِ: خَشْيَةُ اللَّهِ. وهذا يَرْجِعُ إلى قولِ بعضِ السَّلَفِ: كَفَى بخشيَةِ اللَّهِ عِلمًا، وكفَى بالاغْتِرَارِ باللَّهِ جَهْلًا. وهذا بابٌ واسِعٌ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُ.
ولْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ حديثِ أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فنَقُولُ: مَنْ لمْ يَشْتَغِلْ بكَثْرَةِ المسائِلِ التي لا يُوجَدُ مِثلُها في كِتَابٍ، ولا سُنَّةٍ، بل اشْتَغَلَ بفَهْمِ كلامِ اللَّهِ ورسولِهِ، وقَصْدُهُ بذلكَ امتثالُ الأوامِرِ، واجتنابُ النَّواهِي، فهوَ مِمَّن امْتَثَلَ أمْرَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديثِ، وعَمِلَ بمُقْتَضَاهُ. ومَنْ لمْ يكُن اهْتِمَامُهُ بفَهْمِ ما أنْزَلَ اللَّهُ على رسولِهِ، واشْتَغَلَ بكثرةِ توليدِ المسائِلِ قدْ تَقَعُ وقدْ لا تَقَعُ، وتَكَلَّفَ أَجْوِبَتَها بِمُجَرَّدِ الرَّأيِ، خُشِيَ عليهِ أنْ يَكونَ مُخَالِفًا لهذا الحديثِ، مُرْتَكِبًا لِنَهْيِهِ، تارِكًا لأمْرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ كثرةَ وقوعِ الحوادثِ التي لا أَصْلَ لها في الكتابِ والسُّنَّةِ إنَّما هوَ مِنْ تَرْكِ الاشْتِغَالِ بامتثالِ أوامِرِ اللَّهِ ورسولِهِ، واجْتِنَابِ نواهِي اللَّهِ ورسولِهِ، فلوْ أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يَعْمَلَ عملًا سأَلَ عمَّا شَرَعَهُ اللَّهُ في ذلكَ العَمَلِ فامْتَثَلَهُ، وعمَّا نَهَى عنهُ فاجْتَنَبَهُ، وَقَعَت الحوادِثُ مُقَيَّدَةً بالكتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما يَعْمَلُ العامِلُ بمُقْتَضَى رَأْيِهِ وهَوَاهُ، فتَقَعُ الحوادِثُ عَامَّتُها مُخَالِفَةً لِمَا شرَعَهُ اللَّهُ، ورُبَّما عَسُرَ رَدُّها إلى الأحكامِ المذكورةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ لِبُعْدِهَا عنها.
وفي الجُمْلَةِ، فمَن امْتَثَلَ ما أَمَرَ بِهِ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديثِ، وانْتَهَى عمَّا نَهَى عنهُ، وكانَ مُشْتَغِلًا بذلكَ عنْ غيرِهِ، حَصَلَ لهُ النَّجاةُ في الدُّنيا والآخِرَةِ. ومَنْ خالَفَ ذلكَ واشْتَغَلَ بخَوَاطِرِهِ وما يَسْتَحْسِنُهُ وَقَعَ فيما حَذَّرَ مِنهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حالِ أهلِ الكتابِ الذينَ هَلَكُوا بكثرةِ مسائِلِهم واختلافِهِم على أنبيائِهِم، وعَدَمِ انقيادِهِم وطاعَتِهِم لرُسُلِهِم.