الصفحة 77 من 391

وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) )، قالَ بعضُ العلماءِ: هذا يُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ النَّهْيَ أشَدُّ مِن الأمرِ؛ لأنَّ النَّهْيَ لمْ يُرَخَّصْ في ارْتِكابِ شيءٍ منهُ، والأَمْرُ قُيِّدَ بحَسَبِ الاسْتِطَاعَةِ، ورُوِيَ هذا عن الإِمامِ أحمدَ.

ويُشْبِهُ هذا قولُ بعضِهم: أعمالُ البِرِّ يَعْمَلُها البَرُّ والفاجِرُ، وأمَّا المعاصِي فلا يَتْرُكُها إلَّا صِدِّيقٌ.

ورُوِيَ عنْ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ لَهُ: (( اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ) ).

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْبِقَ الدَّائِبَ المُجْتَهِدَ فَلْيَكُفَّ عن الذنوبِ. ورُوِيَ عنها مَرْفُوعًا.

وقالَ الحَسَنُ: ما عُبِّدَ العَابِدُونَ بشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ تَرْكِ ما نَهَاهُم اللَّهُ عنهُ.

والظَّاهِرُ أنَّ ما وَرَدَ مِنْ تفضيلِ ترْكِ المحرَّمَاتِ على فِعْلِ الطَّاعاتِ، إنَّما أُريدَ بهِ على نوافِلِ الطَّاعاتِ، وإلَّا فجِنْسُ الأعمالِ الواجِبَاتِ أفْضَلُ مِنْ جِنْسِ تَرْكِ المحرَّماتِ؛ لأنَّ الأعمالَ مَقْصُودَةٌ لذاتِهَا، والمَحَارِمَ المطلوبُ عَدَمُها؛ ولذلكَ لا تَحْتَاجُ إلى نِيَّةٍ بخلافِ الأعمالِ؛ ولذلكَ كانَ جِنسُ تَرْكِ الأعمالِ قدْ يكونُ كُفْرًا كَتَرْكِ التَّوحيدِ، وكتَرْكِ أركانِ الإِسلامِ أوْ بَعْضِها على ما سَبَقَ. بخلافِ ارْتِكَابِ المَنْهِيَّاتِ؛ فإنَّهُ لا يَقْتَضِي الكُفْرَ بنَفْسِهِ. ويَشْهَدُ لذلكَ قولُ ابنِ عُمَرَ: لَرَدُّ دَانِقٍ حرامٍ أفْضَلُ مِنْ مِائَةِ ألْفٍ تُنْفَقُ في سبيلِ اللَّهِ.

وعنْ بعضِ السَّلَفِ قالَ: تَرْكُ دَانِقٍ مِمَّا يَكْرَهُ اللَّهُ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ خمسِمِائَةِ حَجَّةٍ.

وقالَ مَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ: ذِكْرُ اللَّهِ باللِّسانِ حَسَنٌ، وأفضَلُ منهُ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ العبدُ عندَ المعصيَةِ فيُمْسِكَ عنها.

وقالَ ابنُ المُبَارَكِ: لأَنْ أَرُدَّ دِرْهَمًا مِنْ شُبْهَةٍ أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَتَصَدَّقَ بمِائَةِ ألْفٍ ومِائَةِ أَلْفٍ، حتَّى بَلَغَ سِتَّمِائَةِ ألفٍ.

وقالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ: لَيْسَت التَّقْوَى قيامَ اللَّيلِ، وصِيامَ النَّهارِ، والتَّخليطَ فيما بَيْنَ ذلكَ، ولكنَّ التَّقْوَى أداءُ ما افْتَرَضَ اللَّهُ، وتَرْكُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فإنْ كانَ معَ ذلكَ عَمَلٌ فهوَ خيرٌ إلى خيرٍ. أوْ كما قالَ.

وقالَ أيضًا: وَدِدْتُ أَنِّي لا أُصَلِّي غيرَ الصَّلَواتِ الخمسِ سِوَى الوِتْرِ، وأنْ أُؤَدِّيَ الزَّكاةَ ولا أَتَصَدَّقَ بعدَها بدرْهَمٍ، وأنْ أَصُومَ رمضانَ ولا أَصُومَ بعدَهُ يومًا أبدًا، وأنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإِسلامِ ثمَّ لا أَحُجَّ بعدَها أبدًا، ثمَّ أَعْمَدَ إلى فَضْلِ قُوتِي فأَجْعَلَهُ فيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَأُمْسِكَ عنهُ.

وحاصِلُ كلامِهِم يدُلُّ على أنَّ اجْتِنَابَ المُحَرَّمَاتِ -وإنْ قَلَّتْ- أفضلُ مِن الإِكثارِ منْ نوافِلِ الطَّاعاتِ؛ فإنَّ ذاكَ فَرْضٌ، وهذا نَفْلٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ من المُتَأَخِّرِينَ: إنَّما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) )؛ لأنَّ امْتِثالَ الأَمْرِ لا يَحْصُلُ إلَّا بعَمَلٍ، والعمَلَ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ على شُرُوطٍ وأسبابٍ، وبعضُها قدْ لا يُسْتَطَاعُ؛ فلذلكَ قَيَّدَهُ بالاسْتِطَاعَةِ، كما قيَّدَ اللَّهُ الأمْرَ بالتَّقوَى بالاستطاعَةِ، قالَ تعالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التَّغَابُن: 16] ، وقالَ في الحَجِّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عِمرانَ: 97] .

وأمَّا النَّهْيُ: فالمَطْلُوبُ عَدَمُهُ، وذلكَ هوَ الأصلُ، والمقصودُ اسْتِمْرارُ العَدَمِ الأصلِيِّ، وذلكَ مُمْكِنٌ، وليسَ فيهِ ما لا يُسْتَطَاعُ، وهذا أيضًا فيهِ نَظَرٌ؛ فإنَّ الدَّاعِيَ إلى فِعْلِ المَعَاصِي قدْ يكونُ قَوِيًّا، لا صَبْرَ معَهُ للعَبْدِ على الامْتِنَاعِ معَ فِعْلِ المعصِيَةِ معَ القُدْرَةِ عليها، فيَحْتَاجُ الكَفُّ عنها حينَئذٍ إلى مُجَاهَدَةٍ شديدةٍ، رُبَّما كانَتْ أَشَقَّ على النُّفُوسِ مِنْ مُجَرَّدِ مُجَاهَدَةِ النفسِ على فِعْلِ الطَّاعَةِ؛ ولهذا يُوجَدُ كثيرًا مَنْ يَجْتَهِدُ فيفعلُ الطَّاعاتِ، ولا يقوَى على ترْكِ المحرَّمَاتِ. وقدْ سُئِلَ عمرُ عنْ قومٍ يَشْتَهُونَ المعصيَةَ ولا يعملونَ بها، فقالَ: أُولَئِكَ قَوْمٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قلوبَهم للتَّقوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عظيمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت