الصفحة 78 من 391

وقالَ يَزِيدُ بن مَيْسَرَةَ: يقولُ اللَّهُ في بعضِ الكُتُبِ: أيُّها الشَّابُّ التَّارِكُ شَهْوَتَهُ، المُتَبَذِّلُ شبَابَهُ لأَجْلِي، أنتَ عندِي كبعضِ ملائِكَتِي.

وقالَ: ما أَشَدَّ الشَّهْوَةَ في الجَسَدِ؛ إنَّها مِثْلُ حريقِ النَّارِ، وكيفَ يَنْجُو مِنها الحَصُورِيُّونَ؟

والتَّحقيقُ في هذا أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُ العبادَ مِن الأعمالِ ما لا طاقَةَ لهم بهِ، وقدْ أَسْقَطَ عنهم كثيرًا من الأعمالِ بمُجَرَّدِ المشقَّةِ؛ رُخْصَةً عليهم، ورحمةً لهم. وأمَّا المناهِي فلمْ يَعْذِرْ أحدًا بارْتِكَابِهَا بقُوَّةِ الدَّاعِي والشَّهواتِ، بلْ كَلَّفَهم تَرْكَهَا على كلِّ حالٍ، وأنَّ ما أَبَاحَ أنْ يُتَنَاوَلَ مِن المطاعِمِ المُحَرَّمَةِ عندَ الضَّرورةِ ما تَبْقَى مَعَهُ الحياةُ، لا لأَجْلِ التَّلَذُّذِ والشَّهْوَةِ. ومِنْ هنا يُعْلَمُ صِحَّةُ ما قالَهُ الإِمامُ أحمدُ: إنَّ النَّهيَ أشدُّ مِن الأَمْرِ. وقدْ رُوِيَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ حديثِ ثَوْبَانَ وغيرِهِ أنَّهُ قالَ: (( اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا ) )، يعني: لنْ تَقْدِرُوا على الاسْتِقَامَةِ كُلِّها.

ورَوَى الحَكَمُ بنُ حَزَنٍ الْكُلْفِيُّ قالَ: وَفَدْتُ إِلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَهِدْتُ مَعَهُ الجُمُعَةَ، فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِكَلِماتٍ خَفيفاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبارَكَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا، أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا ) ). خَرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ وأبو داودَ.

وفي قولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) )، دليلٌ على أنَّ مَنْ عَجَزَ عنْ فِعْلِ المأمورِ بِهِ كُلِّهِ، وقَدِرَ على بعضِهِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بما أَمْكَنَهُ منهُ، وهذا مُطَّرِدٌ في مسائِلَ:

منها الطَّهارَةُ: فإذا قَدَرَ على بعضِها وعَجَزَ عن الباقي؛ إِمَّا لعَدَمِ الماءِ، أوْ لمَرَضٍ في بعضِ أعضائِهِ دُونَ بعضٍ؛ فإنَّهُ يأتِي مِنْ ذلكَ بما قَدِرَ عليهِ، ويَتَيَمَّمُ للباقِي، وَسَوَاءٌ في ذلكَ الوضوءُ والغُسْلُ على المَشْهُورِ.

ومنها الصَّلاةُ: فمَنْ عَجَزَ عنْ فِعْلِ الفريضةِ قائِمًا صلَّى قاعِدًا، فإنْ عَجَزَ صلَّى مُضْطَجِعًا. وفي (صحيحِ البُخارِيِّ) : عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ) ). ولوْ عَجَزَ عنْ ذلكَ كُلِّهِ، أَوْمَأَ بطَرْفِهِ، وصلَّى بنِيَّتِهِ، ولم تَسْقُطْ عنهُ الصَّلَاةُ على المشهورِ.

ومنها زكاةُ الفِطْرِ: فإذا قَدَرَ على إخراجِ بعضِ صَاعٍ لَزِمَهُ ذلكَ على الصَّحيحِ، فأمَّا مَنْ قَدَرَ على صيامِ بعضِ النَّهارِ دُونَ تَكْمِلَتِهِ فلا يَلْزَمُهُ ذلكَ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ صِيَامَ بعضِ اليومِ لَيْسَ بقُرْبَةٍ في نفسِهِ، وكذا لوْ قَدَرَ على عِتْقِ بعضِ رقبَةٍ في الكفَّارَةِ لمْ يَلْزَمْهُ؛ لأنَّ تَبْعِيضَ العِتْقِ غيرُ محبوبٍ للشَّارِعِ، بلْ يُؤْمَرُ بتكمِيلِهِ بكُلِّ طريقٍ.

وأمَّا مَنْ فاتَهُ الوقوفُ بعَرَفَةَ في الحَجِّ، فهلْ يَأَتِي بما بَقِيَ مِنهُ مِن المَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ ورَمْيِ الجِمَارِ، أمْ لا؟ بلْ يَقْتَصِرُ على الطَّوافِ والسَّعْيِ، ويَتَحَلَّلُ بعُمْرَةٍ على رِوَايَتَيْنِ عنْ أحمدَ؛ أَشْهَرُهُما: أنَّهُ يَقْتَصِرُ على الطَّوافِ والسَّعْيِ؛ لأنَّ المَبِيتَ والرَّمْيَ منْ لَوَاحِقِ الوقوفِ بعرَفَةَ وتوابِعِهِ، وإنَّما أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذِكْرِهِ عندَ المَشْعَرِ الحرامِ، وبذِكْرِهِ في الأيَّامِ المَعْدُودَاتِ لِمَنْ أفاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، فلا يُؤْمَرُ بهِ مَنْ لا يَقِفُ بعرفَةَ كما لا يُؤْمَرُ بهِ المُعْتَمِرُ.

الحديثُ العَاشِرُ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنونَ: 51] ، وَقَالَ تَعَالَى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت