الصفحة 79 من 391

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! )) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .

(1) هذا الحديثُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ روايَةِ فُضَيْلِ بنِ مَرْزُوقٍ عنْ عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ، عنْ أَبِي حَازِمٍ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وفُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ ثِقَةٌ وَسَطٌ خَرَّجَ لهُ مُسْلِمٌ دُونَ البُخَارِيِّ.

وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ ) )، هذا قدْ جاءَ مِنْ حديثِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ ) ). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وفي إسنادِهِ مَقَالٌ. وَالطَّيِّبُ هنا معناهُ الطَّاهِرُ.

والمعنَى أنَّهُ تعالَى مُقَدَّسٌ مُنَزَّهٌ عن النَّقائِصِ والعُيُوبِ كُلِّها. وهذا كما في قولِهِ: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] ، والمرادُ: المُنَزَّهُونَ مِنْ أَدْنَاسِ الفواحِشِ وَأَوْضَارِهَا.

وقولُهُ: (( لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ) ). قدْ ورَدَ معنَاهُ في حديثِ الصدَقَةِ، ولفْظُهُ: (( لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا .... ) )، والمرادُ أنَّهُ تعالَى لا يَقْبَلُ مِن الصَّدقاتِ إلَّا ما كانَ طَيِّبًا حلالًا.

وقدْ قيلَ: إنَّ المُرادَ في هذا الحَديثِ الذي نَتَكَلَّمُ فيهِ الآنَ بقولِهِ: (( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا ) )، أَعمُّ مِنْ ذلكَ، وهوَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن الأعمالِ إلَّا ما كانَ طَيِّبًا طاهِرًا من المُفسِداتِ كُلِّها؛ كالرِّياءِ والعُجْبِ، ولا مِن الأموالِ إلَّا ما كانَ طَيِّبًا حلالًا؛ فإنَّ الطِّيبَ تُوصَفُ بهِ الأعمالُ والأقوالُ والاعْتِقَادَاتُ، فكُلُّ هذهِ تَنْقَسِمُ إلى طَيِّبٍ وخَبِيثٍ.

وقدْ قيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ في قولِهِ تعالَى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: 100] ، هذا كُلُّهُ.

وقدْ قَسَّمَ اللَّهُ تعالَى الكلامَ إلى طَيِّبٍ وخبِيثٍ فقالَ: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24] ، {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} [إبراهيم: 26] ، وقالَ تعالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فَاطِر: 10] ، ووَصَفَ الرَّسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأنَّهُ يُحِلُّ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ الخبائِثَ.

وقدْ قيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ في ذلكَ الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ أيضًا، ووَصَفَ اللَّهُ تعالَى المؤمنِينَ بالطِّيبِ بقولِهِ تعالَى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} [النحل: 32] ، وإنَّ الملائكةَ تقولُ عندَ الموتِ: اخْرُجِي أَيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبةُ كَانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، وإنَّ الملائِكةَ تُسَلِّمُ عليهم عندَ دُخُولِ الجنَّةِ ويقولونَ لهم: طِبْتُمْ. وقدْ وَرَدَ في الحديثِ أنَّ المُؤْمِنَ إذا زَارَ أخًا لَهُ في اللَّهِ تقولُ لهُ الملائِكةُ: (( طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا ) ).

فالمؤمِنُ كُلُّهُ طَيِّبٌ؛ قلبُهُ ولسانُهُ وجسَدُهُ، بما سَكَنَ في قَلْبِهِ مِن الإيمانِ، وظَهَرَ على لسانِهِ من الذِّكْرِ، وعلى جوارِحِهِ من الأعمالِ الصَّالِحَةِ التي هيَ ثَمَرَةُ الإيمانِ وداخِلَةٌ في اسْمِهِ. فهذهِ الطَّيِّباتُ كُلُّها يَقْبَلُها اللَّهُ عزَّ وجلَّ.

ومِنْ أعظمِ ما يَحْصُلُ بِهِ طِيبَةُ الأعمالِ للمُؤْمِنِ طِيبُ مَطْعَمِهِ، وأنْ يكونَ مِنْ حلالٍ، فَبِذَلِكَ يَزْكُو عمَلُهُ.

وفي هذا الحديثِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُقْبَلُ العملُ ولا يَزْكُو إلَّا بأَكْلِ الحلالِ، وأنَّ أَكْلَ الحرامِ يُفْسِدُ العَمَلَ، ويَمْنَعُ قَبُولَهُ؛ فإنَّهُ قالَ بعدَ تَقْرِيرِهِ (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ) ): إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فقالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} ، وقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت