فهرس الكتاب
والمُرادُ بهذا أنَّ الرُّسلَ وأُمَمَهُم مَأْمُورُونَ بالأكْلِ من الطَّيِّبَاتِ التي هيَ الحلالُ، وبالعَمَلِ الصَّالِحِ. فما دامَ الأَكْلُ حلالًا، فالعَمَلُ صَالِحٌ مَقْبُولٌ، فإذا كانَ الأَكْلُ غَيرَ حلالٍ، فكيفَ يكُونُ العملُ مَقْبُولًا؟
وما ذَكَرَهُ بعدَ ذلكَ من الدُّعاءِ، وأنَّهُ كيفَ يُتَقَبَّلُ معَ الحَرامِ، فهوَ مِثَالٌ لاسْتِبْعَادِ قَبُولِ الأعمالِ معَ التَّغذِيَةِ بالحرامِ. وقدْ خرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ بإسنادٍ فيهِ نَظَرٌ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: تُلِيَتْ هذهِ الآيَةُ عندَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] ، فقامَ سَعْدُ بنُ أَبِي وقَّاصٍ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، ادْعُو اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا سَعْدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمْلٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ ) ).
وفي (مُسْنَدِ الإمامِ أحمدَ) بإسنادٍ فيهِ نَظَرٌ أيضًا: عن ابنِ عمرَ قالَ: (( مَن اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَل اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَا كَانَ عَلَيْهِ ) ). ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فَقَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويُرْوَى منْ حديثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا معناهُ أيضًا، خَرَّجَهُ البَزَّارُ وغيرُهُ بإسنادٍ ضعيفٍ جِدًّا.
وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ بإسنادٍ فيهِ ضَعْفٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلَالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلَالٌ، وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ. وَإِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ، وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ ) ). ويُرْوَى مِنْ حديثِ عُمَرَ نحوُهُ بإسنادٍ ضعيفٍ أيضًا.
ورَوَى أَبُو يَحْيَى القَتَّاتُ عنْ مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةَ امْرِئٍ في جَوْفِهِ حرامٌ.
وقد اخْتَلَفَ العلماءُ في حَجِّ مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حرامٍ، ومَنْ صلَّى في ثوبٍ حرامٍ، هلْ يَسْقُطُ عنهُ فَرْضُ الصَّلاةِ والحَجِّ بذلكَ، وفيهِ عن الإمامِ أحمدَ روايتانِ. وهذهِ الأحاديثُ المذكورةُ تدُلُّ على أنَّهُ لا يُتَقَبَّلُ العملُ معَ مُباشرةِ الحرامِ، لكن القَبُولُ قدْ يُرَادُ بهِ الرِّضا بالعَمَلِ، ومَدْحُ فاعِلِهِ، والثَّناءُ عليهِ بينَ الملائكةِ، والمُبَاهَاةُ بهِ، وقدْ يُرَادُ بهِ حُصُولُ الثَّوابِ والأجرِ عليهِ، وقدْ يُرادُ بهِ سُقُوطُ الفَرْضِ بهِ مِن الذِّمَّةِ، فإنْ كانَ المرادُ هَا هُنا القَبُولَ بالمعنى الأوَّلِ أو الثَّانِي، لمْ يَمْنَعْ ذلكَ مِنْ سُقُوطِ الفرْضِ بهِ مِن الذِّمَّةِ، كما وَرَدَ أنَّهُ لا تُقْبَلُ صلاةُ الآبِقِ، ولا المرأةُ التي زَوْجُها عليها ساخِطٌ، ولا مَنْ أتَى كاهِنًا، ولا مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ أربعينَ يَوْمًا، والمرادُ -واللَّهُ أعلمُ- نَفْيُ القَبُولِ بالمعنَى الأوَّلِ أو الثَّانِي، وهوَ المُرادُ -واللَّهُ أعلمُ- مِنْ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] . ولهذا كانَتْ هذهِ الآيَةُ يَشْتَدُّ مِنها خَوْفُ السَّلَفِ على نُفُوسِهم، فخَافُوا أنْ لا يكُونُوا مِن المتَّقِينَ الذينَ يُتَقَبَّلُ مِنهم.
وسُئِلَ أحمدُ عنْ معنَى (الْمُتِّقِينَ) فيها، فقالَ: يَتِّقِي الأشياءَ، فَلا يَقَعُ فيمَا لا يَحِلُّ لهُ.
وقالَ أبو عبدِ اللَّهِ النِّبَاجِيُّ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: خَمْسُ خِصَالٍ بها تَمَامُ العَمَلِ: الإيمانُ بمعرِفَةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ومَعْرِفَةُ الحقِّ، وإخلاصُ العملِ للَّهِ، والعملُ على السُّنَّةِ، وأَكْلُ الحلالِ، فَإِنْ فُقِدَتْ واحِدَةٌ لمْ يَرْتَفِع العَمَلُ؛ وذلكَ أَنَّكَ إذا عَرَفْتَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ ولمْ تَعْرِف الحَقَّ لمْ تَنْتَفِعْ، وإذا عَرَفْتَ الحَقَّ ولمْ تَعْرِف اللَّهَ لمْ تَنْتَفِعْ، وإنْ عَرَفْتَ اللَّهَ وعَرَفْتَ الحقَّ ولمْ تُخْلِص العَمَلَ لمْ تَنْتَفِعْ، وإنْ عَرَفْتَ اللَّهَ وعَرَفْتَ الحقَّ وأَخْلَصْتَ العملَ ولمْ يكُنْ على السُّنَّةِ لمْ تَنْتَفِعْ، وإنْ تَمَّت الأَرْبَعُ ولمْ يكُن الأَكْلُ مِنْ حلالٍ لمْ تنْتَفِعْ.
وقالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: لوْ قُمْتَ مَقَامَ هذهِ السَّارِيَةِ لمْ يَنْفَعْكَ شيءٌ حتَّى تَنْظُرَ ما يَدْخُلُ بَطْنَكَ حلالٌ أوْ حرامٌ.
وأمَّا الصَّدَقَةُ بالمالِ الحرامِ، فغيرُ مقبولَةٍ، كما في (صحيحِ مسلمٍ) : عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ) ).