الصفحة 81 من 391

وفي (الصَّحيحيْنِ) : عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ ) )، وذكَرَ الحديثَ.

وفي (مُسْنَدِ) الإمامِ أحمدَ: عن ابنِ مسعودٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَا يَكْتَسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ، فَيُنْفِقَ مِنْهُ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُتَقَبَّلَ مِنْهُ، وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ ) ).

ويُرْوَى منْ حديثِ دَرَّاجٍ عن ابنِ حُجَيْرَةَ، عنْ أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ كَسَبَ مَالًا حَرَامًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ، وَكَانَ إِصْرُهُ عَلَيْهِ ) ). خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في (صحيحِهِ) ، وروَاهُ بعضُهم مَوْقُوفًا على أبي هريرةَ.

ومِنْ مَرَاسِيلِ القاسِمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَصَابَ مَالًا مِنْ مَأْثَمٍ، فَوَصَلَ بِهِ رَحِمَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ جَمِيعًا ثُمَّ قَذَفَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) ).

ورُوِيَ عنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ويَزِيدَ بنِ مَيْسَرَةَ، أنَّهُما جَعَلا مَثَلَ مَنْ أصابَ مالًا مِنْ غيرِ حِلِّهِ فتَصَدَّقَ بِهِ مِثْلَ مَنْ أَخَذَ مالَ يتيمٍ وكسَا بِهِ أَرْمَلَةً.

وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ عمَّنْ كانَ على عَمَلٍ، فكانَ يَظْلِمُ ويَأْخُذُ الحرامَ، ثُمَّ تابَ، فهوَ يَحُجُّ ويَعْتِقُ ويَتَصَدَّقُ منهُ، فقالَ: إِنَّ الخبِيثَ لا يُكَفِّرُ الخَبِيثَ. وكذا قالَ ابنُ مسعودٍ: إنَّ الخبيثَ لا يُكَفِّرُ الخبِيثَ، ولكنَّ الطَّيِّبَ يُكَفِّرُ الخَبِيثَ. وقالَ الحَسَنُ: أيُّها المُتَصَدِّقُ على المِسْكِينِ يَرْحَمُهُ، ارْحَمْ مَنْ قَدْ ظَلَمْتَ.

واعْلَمْ أنَّ الصَّدَقَةَ بالمالِ الحرامِ تَقَعُ على وَجْهَيْنِ:

أحدُهما: أنْ يَتَصَدَّقَ بهِ الخائِنُ أو الغاصِبُ ونَحْوُهما عنْ نفسِهِ، فهذا هوَ المرادُ منْ هذهِ الأحاديثِ أنَّهُ لا يُتَقَبَّلُ منهُ، بمعنى أنَّهُ لا يُؤْجَرُ عليهِ، بلْ يَأْثَمُ بتَصَرُّفِهِ في مالِ غيرِهِ بغيرِ إِذْنِهِ، ولا يَحْصُلُ للمالِكِ بذلكَ أَجْرٌ؛ لعدَمِ قَصْدِهِ ونِيَّتِهِ. كذا قالَهُ جماعةٌ مِن العلماءِ؛ مِنهم: ابنُ عَقِيلٍ مِنْ أصحابِنَا. وفي كتابِ عبدِ الرَّزَّاقِ مِنْ روايَةِ زيدِ بنِ الأَخْنَسِ الخُزَاعِيِّ، أنَّهُ سألَ سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ قالَ: وجَدْتُ لُقَطَةً، أَفَأَتَصَدَّقُ بِهَا؟ قالَ: لا تُؤْجَرُ أَنْتَ ولا صاحِبُها. ولَعلَّ مُرَادَهُ إذا تَصَدَّقَ بها قَبْلَ تعريفِها الواجِبِ. ولوْ أخَذَ السُّلطانُ، أوْ بَعْضُ نُوَّابِهِ مِنْ بيتِ المالِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، فتَصَدَّقَ مِنهُ أوْ أَعْتَقَ، أوْ بَنَى بهِ مَسْجِدًا أوْ غَيْرَهُ ممَّا يَنْتَفِعُ بهِ النَّاسُ، فَالْمَنْقُولُ عن ابنِ عمرَ أنَّهُ كالغاصِبِ إذا تَصَدَّقَ بما غَصَبَهُ. كذلكَ قالَ لعبدِ اللَّهِ بنِ عامِرٍ أَمِيرِ البَصرَةِ، وكانَ النَّاسُ قد اجْتَمَعُوا عندَهُ في حالِ مَوْتِهِ وهُمْ يُثْنُونَ عليهِ ببِرِّهِ وإحسانِهِ، وابنُ عمرَ ساكِتٌ، فطُلِبَ منهُ أنْ يَتَكَلَّمَ، فرَوَى لهُ حَدِيثَ: (( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ) )، ثمَّ قالَ لهُ: وكُنْتَ على البَصْرَةِ.

وقالَ أَسَدُ بنُ مُوسَى في (كتابِ الوَرَعِ) : حدَّثَنا الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عنْ منصورٍ، عنْ تَمِيمِ بنِ سَلَمَةَ قالَ: قالَ ابنُ عامِرٍ لعبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ هذهِ الْعِقَابَ التي نُسَهِّلُهَا، والعُيُونَ التي نُفَجِّرُها، أَلَنَا فيها أَجْرٌ؟ فقالَ ابنُ عُمَرَ: أَمَا عَلِمْتَ أنَّ خَبِيثًا لا يُكَفِّرُ خِبِيثًا قَطُّ؟

حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ زِيَادٍ، عنْ أَبِي مَلِيحٍ، عنْ مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ قالَ: قالَ ابنُ عمرَ لابنِ عامِرٍ، وقدْ سَأَلَهُ عن العِتْقِ: مَثَلُكَ مَثَلُ رَجُلٍ سَرَقَ إِبِلَ حَاجٍّ، ثُمَّ جَاهَدَ بها في سبيلِ اللَّهِ، فانْظُرْ هلْ يُقْبَلُ مِنهُ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت