الصفحة 83 من 391

ورُوِيَ عنْ مالِكِ بنِ دِينَارٍ قالَ: سَأَلْتُ عَطَاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ عمَّنْ عندَهُ مالٌ حرامٌ، ولا يَعْرِفُ أَرْبَابَهُ، ويُرِيدُ الخروجَ مِنهُ، قالَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ ولا أَقُولُ: إنَّ ذلكَ يُجْزِئُ عنهُ. قالَ مالِكٌ: كانَ هذا القولُ مِنْ عَطَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ وَزْنِهِ ذَهَبًا.

وقالَ سُفْيَانُ فيمَن اشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ شيئًا مَغْصُوبًا: يَرُدُّهُ إلَيْهِم، فإنْ لمْ يَقْدِرْ عليهم تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ، ولا يَأْخُذُ رَأْسَ مالِهِ. وكذا قالَ فيمَنْ باعَ شيئًا مِمَّنْ تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ لشُبْهَةِ مالِهِ، قالَ: يَتَصَدَّقُ بالثَّمَنِ. وخالَفَهُ ابنُ المُبَارَكِ وقالَ: يَتَصَدَّقُ بالرِّبْحِ خاصَّةً. وقالَ أحمدُ: يَتَصَدَّقُ بالرِّبْحِ.

وكذا قالَ فِيمَنْ وَرِثَ مالًا مِنْ أَبِيهِ، وكانَ أَبُوهُ يَبِيعُ مِمَّنْ تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ: إنَّهُ يَتَصَدَّقُ منهُ بمقدارِ الرِّبْحِ، ويَأْخُذُ الباقِيَ. وقدْ رُوِيَ عنْ طائِفَةٍ مِن الصَّحابَةِ نحوُ ذلكَ، مِنهم: عمرُ بنُ الخطَّابِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ يَزِيدَ الأنصارِيُّ.

والمشهورُ عن الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الأموالِ الحرامِ أنَّها تُحْفَظُ ولا يُتَصَدَّقُ بها، حتَّى يَظْهَرَ مُسْتَحِقُّها.

وكانَ الفُضَيْلُ بنُ عِياضٍ يَرَى أنَّ مَنْ عِنْدَهُ مالٌ حرامٌ لا يَعْرِفُ أَرْبابَهُ، أنَّهُ يُتْلِفُهُ ويُلْقِيهِ في البحرِ ولا يَتَصَدَّقُ بهِ، وقالَ: لا يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ إلَّا بالطَّيِّبِ.

والصَّحيحُ الصَّدَقَةُ بِهِ؛ لأنَّ إتلافَ المالِ وإضاعَتَهُ مَنْهِيٌّ عنهُ، وإِرْصَادَهُ أبدًا تَعْرِيضٌ لهُ للإِتلافِ واستيلاءِ الظَّلَمَةِ عليهِ، والصَّدَقَةُ بهِ لَيْسَتْ عنْ مُكْتَسِبِهِ حتَّى يكونَ تَقَرُّبًا مِنهُ بالخَبِيثِ، وإنَّما هيَ صدَقَةٌ عنْ مالِكِهِ؛ ليكونَ نَفْعُهُ لهُ في الآخرةِ حيثُ يَتَعَذَّرُ عليهِ الانْتِفَاعُ بهِ في الدُّنْيا.

وقولُهُ: (( ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! ) ).

هذا الكلامُ أشارَ فيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى آدابِ الدُّعاءِ، وإلى الأسبابِ التي تَقْتَضِي إجابَتَهُ، وإلى ما يَمْنَعُ مِنْ إجابَتِهِ، فذَكَرَ مِن الأسبابِ التي تَقْتَضِي إجابَةَ الدُّعاءِ أربعةً:

أحدُها: إطالةُ السَّفَرِ. والسَّفرُ بمُجَرَّدِهِ يَقْتَضِي إِجابةَ الدُّعاءِ، كما في حديثِ أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ) ). خرَّجَهُ أبو داودَ وابنُ مَاجَهْ والتِّرْمِذِيُّ، وعندَهُ: (( دَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ ) ).

ورُوِيَ مثلُهُ عن ابنِ مسعودٍ مِنْ قولِهِ.

ومتى طالَ السَّفَرُ كانَ أَقْرَبَ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ؛ لأنَّهُ مَظِنَّةُ حُصُولِ انْكِسَارِ النَّفْسِ بطُولِ الغُرْبَةِ عن الأوطانِ، وتَحَمُّلِ المشاقِّ، والانكسارُ مِنْ أعظمِ أسبابِ إجابةِ الدُّعاءِ.

والثَّاني: حُصُولُ التَّبَذُّلِ في اللِّباسِ والهيْئَةِ بالشَّعْثِ والاغْبِرَارِ. وهوَ أيضًا من المُقْتَضِياتِ لإجابَةِ الدُّعاءِ، كما في الحديثِ المشهورِ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ، مَدْفُوعٌ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ) ). ولمَّا خَرَجَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للاسْتِسْقَاءِ، خَرَجَ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا. وكانَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ قدْ حُبِسَ لهُ ابنُ أَخٍ، فلَبِسَ خُلْقَانَ ثيابِهِ، وأخَذَ عُكَّازًا بيدِهِ، فقيلَ لهُ: ما هذا؟ قال: أَسْتَكِينُ لِرَبِّي؛ لعلَّهُ أنْ يُشَفِّعَنِي في ابنِ أخِي.

الثَّالِثُ: مَدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ. وهوَ مِنْ آدابِ الدُّعاءِ التي يُرْجَى بسبَبِهَا إجابَتُهُ. وفي حديثِ سَلْمَانَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ) ). خَرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والتِّرْمِذيُّ وابنُ ماجَهْ. ورُوِيَ نحوُهُ مِنْ حديثِ أنَسٍ وجابِرٍ وغيرِهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت