الصفحة 84 من 391

وكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ يدَيْهِ في الاسْتِسْقاءِ حتَّى يُرَى بياضُ إِبِطَيْهِ، ورَفَعَ يدَيْهِ يومَ بدرٍ يَسْتَنْصِرُ على المشركينَ حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عنْ مَنْكِبَيْهِ.

وقدْ رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفةِ رَفْعِ يَدَيْهِ في الدُّعاءِ أنواعٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ فمِنها: أنَّهُ كانَ يُشيرُ بأُصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فقطْ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذلكَ على المِنْبَرِ، وفعَلَهُ لَمَّا رَكِبَ راحِلَتَهُ.

وذَهَبَ جماعةٌ مِن العلماءِ إلى أنَّ دُعاءَ القُنُوتِ في الصَّلاةِ يُشِيرُ فيهِ بأُصْبَعِهِ؛ مِنهم الأَوْزَاعِيُّ وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ وإسحاقُ بنُ رَاهُويَهْ. وقالَ ابنُ عبَّاسٍِ وغيرُهُ: هذا هوَ الإخلاصُ في الدُّعاءِ. وعن ابنِ سِيرِينَ: إذا أَثْنَيْتَ على اللَّهِ فأَشِرْ بأُصْبَعٍ واحِدَةٍ.

ومِنها: أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفَعَ يَدَيْهِ وجَعَلَ ظُهورَهما إلى جِهَةِ القِبْلَةِ وهوَ مُسْتَقْبِلُها، وجَعَلَ بُطُونَهما مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. وقدْ رُوِيَتْ هذهِ الصِّفَةُ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دُعاءِ الاسْتِسْقَاءِ، واسْتَحَبَّ بعضُهم الرَّفعَ في الاسْتِسْقَاءِ على هذهِ الصِّفَةِ؛ مِنهم الجُوزَجَانِيُّ.

وقالَ بعضُ السَّلَفِ: الرَّفْعُ على هذا الوجهِ تَضَرُّعٌ.

ومِنها: عَكْسُ ذلكَ، وقدْ رُوِيَ عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الاسْتِسْقَاءِ أيضًا، ورُوِيَ عنْ جماعةٍ مِن السَّلَفِ أنَّهُم كانوا يَدْعُونَ كذلكَ، وقالَ بعضُهم: الرَّفعُ على هذا الوجهِ اسْتِجَارَةٌ باللَّهِ عزَّ وجلَّ، واسْتِعَاذَةٌ بهِ؛ مِنهم: ابنُ عمرَ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبو هريرةَ. ورُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ كانَ إذا اسْتَعَاذَ رَفَعَ يَدَيْهِ على هذا الوَجْهِ.

ومِنها: رَفْعُ يَدَيْهِ، جَعْلُ كَفَّيْهِ إلى السَّماءِ وظُهُورِهِمَا إلى الأرضِ. وقدْ وَرَدَ الأمرُ بذلكَ في سُؤالِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ في غيرِ حديثٍ. وعن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وابنِ سِيرِينَ، أنَّ هذا هوَ الدُّعاءُ والسُّؤالُ لِلَّهِ عزَّ وجلَّ.

ومِنها: عكسُ ذلكَ، وهوَ قَلْبُ كَفَّيْهِ وجَعْلُ ظُهُورِهِمَا إلى السَّماءِ وبُطُونِهِمَا ممَّا يَلِي الأرضَ. وفي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلى السَّماءِ. وخرَّجه الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولَفْظُهُ: فَبَسَطَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ ظَاهِرَهُمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ. وخرَّجَهُ أبو داودَ، ولفظُهُ: اسْتَسْقَى هَكَذا، يَعْنِي: مَدَّ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الأَرْضَ.

وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ يَدْعُو هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثُنْدُوَتِهِ، وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْهِ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ. وهكذَا وَصَفَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ رَفْعَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ بعَرَفَةَ. ورُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ أنَّ هذا هوَ الاسْتِجَارَةُ. وقالَ الحُمَيْدِيُّ: هذا هوَ الابْتِهَالُ.

والرَّابِعُ: الإِلحاحُ على اللَّهِ بتَكْريرِ ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ. وهوَ مِنْ أعْظَمِ ما يُطْلَبُ بِهِ إجابَةُ الدُّعاءِ. وخرَّجَ البَزَّارُ مِنْ حديثِ عائِشَةَ مرفوعًا: (( إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: يَا رَبِّ، أَرْبَعًا، قَالَ اللَّهُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي، سَلْ تُعْطَهُ ) ).

وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ وغيرُهُ مِنْ حديثِ سَعْدِ بنِ خَارِجَةَ، أَنَّ قَوْمًا شَكَوْا إِلى النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُحُوطَ المَطَرِ، فَقَالَ: (( اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ وَقُولُوا: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ ) )، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ إلى السَّماءِ، فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشَفَ عَنْهُم.

وفي (المُسْنَدِ) وغيرِهِ: عن الفَضْلِ بنِ عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَتَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَضَرُّعٌ وَتَخَشُّعٌ وَتَمَسْكُنٌ، وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ -يَقُولُ: تَرْفَعُهُمَا إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا وَجْهَكَ- وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ. فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهِيَ خِدَاجٌ ) ).

وقالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عنْ أَنَسٍ: مَا مِنْ عَبْدٍ يقولُ: يا رَبِّ، يا ربِّ، يا ربِّ، إلَّا قالَ لَهُ ربُّهُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.

ورُوِيَ عنْ أبِي الدَّرْدَاءِ وابنِ عبَّاسٍ أنَّهُما كانا يقولانِ: اسمُ اللَّهِ الأكبرُ: رَبِّ رَبِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت