فهرس الكتاب
وعنْ عَطَاءٍ قالَ: ما قالَ عبدٌ: يا ربِّ يا ربِّ، ثلاثَ مَرَّاتٍ، إلَّا نَظَرَ اللَّهُ إليِهِ. فذُكِرَ ذلكَ للحَسَنِ فقالَ: أَمَا تَقْرَءُونَ القرآنَ؟! ثمَّ تَلا قولَهُ تعالَى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} [آل عِمْرَانَ: 191 - 195] .
ومَنْ تأمَّلَ الأدعِيَةَ المذكورةَ في القرآنِ وَجَدَها غالِبًا تُفْتَتَحُ باسمِ الرَّبِّ، كقولِهِ تعالَى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ، {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ، وقولِهِ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عِمْرَانَ: 8] . ومثلُ هذا في القرآنِ كثيرٌ.
وسُئِلَ مالِكٌ وسُفْيَانُ عمَّنْ يقولُ في الدُّعاءِ: يا سَيِّدِي، فَقَالَا: يقولُ: رَبِّ. زَادَ مالِكٌ: كما قالَت الأنبياءُ في دعائِهِم.
وأمَّا ما يَمْنَعُ إجابَةَ الدُّعاءِ، فقدْ أشارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أنَّهُ التَّوسُّعُ في الحرامِ أَكْلًا وشُرْبًا ولُبْسًا وتَغْذِيَةً. وقدْ سَبَقَ حديثُ ابنِ عبَّاسٍ في هذا المعنَى أيضًا، وأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ لسَعْدٍ: (( أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ ) ). فأَكْلُ الحلالِ وشُرْبُهُ ولُبْسُهُ والتَّغَذِّي بهِ سَبَبٌ مُوجِبٌ لإجابةِ الدُّعاءِ.
ورَوَى عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ: حدَّثَنَا الأَصْفَرُ قالَ: قِيلَ لسَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ: تُسْتَجَابُ دَعْوَتُكَ مِنْ بينِ أصحابِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقالَ: ما رَفَعْتُ إلى فَمِي لُقْمَةً إلَّا وأنا عالِمٌ مِنْ أينَ مَجِيئُها، ومِنْ أينَ خَرَجَتْ.
وعنْ وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ دعوتَهُ فلْيُطِبْ طُعْمَتَهُ. وعنْ سَهْلِ بنِ عبدِ اللَّهِ قالَ: مَنْ أَكَلَ الحلالَ أربعينَ صَبَاحًا أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ. وعنْ يُوسُفَ بنِ أسْبَاطٍ قالَ: بَلَغَنَا أنَّ دعاءَ العبدِ يُحْبَسُ عن السَّماواتِ بسُوءِ المَطْعَمِ.
وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! ) )، معناهُ: كيفَ يُسْتَجَابُ لهُ؟! فهوَ اسْتِفهامٌ وَقَعَ على وَجْهِ التَّعَجُّبِ والاسْتِبْعَادِ، وليسَ صريحًا في استحالَةِ الاسْتِجابةِ ومَنْعِها بالكُلِّيَّةِ. فَيُؤْخَذُ مِنْ هذا أنَّ التَّوسُّعَ في الحرامِ والتَّغذِّي بهِ مِنْ جُمْلَةِ موانِعِ الإِجابةِ، وقدْ يُوجدُ ما يَمْنَعُ هذا المانِعَ مِنْ مَنْعِهِ، وقدْ يكونُ ارْتِكَابُ المُحَرَّماتِ الفعليَّةِ مانِعًا مِن الإِجابَةِ أيضًا، وكذلكَ تَرْكُ الواجباتِ، كما في الحديثِ أنَّ تَرْكَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ يَمْنَعُ استجابةَ دعاءِ الأخيارِ، وفِعْلَ الطَّاعاتِ يكونُ مُوجِبًا لاستجابَةِ الدُّعاءِ. ولهذا لَمَّا تَوَسَّلَ الذينَ دَخَلُوا الغارَ وانْطَبَقَتْ عليهم الصَّخْرَةُ بأعمالِهِم الصَّالِحَةِ التي أَخْلَصُوا فيها للَّهِ تعالَى ودَعَوا اللَّهَ بها، أُجِيبَتْ دَعْوَتُهم.
وقالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: مَثَلُ الذي يَدْعُو بغيرِ عَمَلٍ كَمَثَلِ الذي يَرْمِي بغَيْرِ وَتَرٍ. وعنهُ قالَ: العملُ الصَّالِحُ يُبَلِّغُ الدُّعاءَ، ثمَّ تلا قولَهُ تعالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطِر: 10] .
وعنْ عُمَرَ قالَ: بالوَرَعِ عمَّا حرَّمَ اللَّهُ يَقْبَلُ اللَّهُ الدُّعاءَ والتَّسبيحَ.
وعنْ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يَكْفِي معَ البِرِّ مِن الدُّعاءِ مِثْلُ ما يَكْفِي الطَّعامَ مِن المِلْحِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بنُ وَاسِعٍ: يَكْفِي مِن الدُّعاءِ معَ الوَرَعِ اليسيرُ. وقيلَ لسُفْيانَ: لوْ دَعَوْتَ اللَّهَ؟ قالَ: إنَّ تَرْكَ الذُّنوبِ هوَ الدُّعاءُ.