فهرس الكتاب
مالِ المُضَارَبَةِ إذا خالَفَ فيهِ المُضَارِبُ: إنَّهُ يَتَصَدَّقُ بهِ. وقالَ في روايَةٍ عنهُ فيمَا إذا اشْتَرَى ثَمَرةً قبلَ صلاحِها بشرطِ القَطْعِ، ثمَّ تَرَكَها حتَّى بدا صَلاحُها: إنَّهُ يَتَصَدَّقُ بالزِّيادةِ. وحَمَلَهُ طائِفَةٌ منْ أصحابِنا على الاستحبابِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ بالشُّبُهاتِ مُسْتَحَبٌّ.
ورُوِيَ عنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أنَّها سُئِلَتْ عنْ أَكْلِ الصَّيْدِ للمُحْرِمِ، فقالَتْ: إنَّما هيَ أيَّامٌ قلائِلُ، فَمَا رَابَكَ فدَعْهُ. يَعنِي ما اشْتَبَهَ عليكَ هلْ هوَ حلالٌ أوْ حرامٌ فاتْرُكْهُ؛ فإنَّ النَّاسَ اخْتَلَفوا في إباحةِ أَكْلِ الصَّيدِ للمُحْرِمِ إذا لمْ يَصِدْهُ هوَ.
وقدْ يُسْتَدَلُّ بهذا على أنَّ الخروجَ مِن اختلافِ العلماءِ أفضلُ؛ لأنَّهُ أَبْعَدُ عن الشُّبْهَةِ، ولكنْ المُحَقِّقُونَ مِن العلماءِ منْ أصحابِنَا وغيرِهم على أنَّ هذا ليسَ هوَ على إطلاقِهِ؛ فإنْ مِنْ مسائِلِ الاختلافِ ما ثَبَتَ فيهِ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُخْصَةٌ ليسَ لها مُعَارِضٌ، فاتِّبَاعُ تلكَ الرُّخْصَةِ أَوْلَى من اجْتِنابِهَا، وإنْ لمْ تَكُنْ تلكَ الرُّخْصَةُ بلَغَتْ بعضَ العلماءِ، فامْتَنَعَ منها لذلكَ، وهذا كمَنْ تَيَقَّنَ الطهارَةَ وشَكَّ في الحَدَثِ، فإنَّهُ صَحَّ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( لَا يَنْصَرِفْ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) )، ولا سيَّما إنْ كانَ شَكُّهُ في الصلاةِ؛ فإنَّهُ لا يَجُوزُ لهُ قَطْعُها لِصحَّةِ النَّهيِ عنهُ، وإنْ كانَ بعضُ العلماءِ يُوجِبُ ذلكَ.
وإنْ كانَ للرُّخْصَةِ مُعَارِضٌ، إمَّا منْ سُنَّةٍ أُخرَى، أوْ مِنْ عَمَلِ الأُمَّةِ بخلافِها، فالأَوْلَى تَرْكُ العَمَلِ بها. وكذا لوْ كانَ قدْ عَمِلَ بها شُذُوذٌ من النَّاسِ، واشْتُهِرَ في الأُمَّةِ العَمَلُ بخلافِهَا في أمصارِ المسلمينَ منْ عهدِ الصحابَةِ؛ فإنَّ الأخذَ بما عليهِ عملُ المسلمينَ هوَ المُتَعَيَّنُ؛ فإنَّ هذهِ الأمَّةَ قدْ أجارَها اللَّهُ أنْ يَظْهَرَ أهلُ باطِلِها على أهلِ حَقِّها، فما ظَهَرَ العملُ بهِ في القُرُونِ الثَّلاثةِ المفضَّلَةِ فهوَ الحقُّ، وما عداهُ فهوَ باطِلٌ.
وهَا هُنا أَمْرٌ يَنْبَغِي التَّفطُّنُ لهُ، وهوَ أنَّ التَّدقيقَ في التَّوقُّفِ عن الشُّبُهاتِ إنَّما يَصْلُحُ لِمَن استقامَتْ أحوالُهُ كلُّها، وتشابَهَتْ أعمالُهُ في التَّقْوَى والوَرَعِ، فأمَّا مَنْ يَقَعُ في انتهاكِ المُحَرَّمَاتِ الظَّاهرةِ، ثمَّ يُريدُ أنْ يَتَوَرَّعَ عنْ شيءٍ منْ دقائِقِ الشُّبَهِ، فإنَّهُ لا يُحْتَمَلُ لهُ ذلكَ، بلْ يُنْكَرُ عليهِ، كما قال ابنُ عمرَ لِمَنْ سأَلَهُ عنْ دَمِ البعوضِ مِنْ أهلِ العراقِ: يَسْأَلُوني عنْ دَمِ البعوضِ وقدْ قَتَلُوا الحُسَيْنَ، وسَمِعْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا ) ).
وسأَلَ رَجُلٌ بِشْرَ بنَ الحارِثِ عنْ رَجُلٍ لهُ زوجةٌ وأُمُّهُ تَأْمُرُهُ بطلاقِها، فقالَ: إنْ كانَ بَرَّ أُمَّهُ في كُلِّ شيءٍ، ولمْ يَبْقَ مِنْ بِرِّها إلَّا طَلاقُ زوجَتِهِ فلْيَفْعَلْ، وإنْ كانَ يَبَرُّها بطَلاقِ زوجَتِهِ، ثمَّ يقومُ بعدَ ذلكَ إلى أُمِّهِ فَيَضْرِبُها، فلا يَفْعَلْ.
وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ رحِمَهُ اللَّهُ عنْ رجلٍ يَشْتَرِي بَقْلًا، ويَشْتَرِطُ الخُوصَةَ، يعنِي: التي تُرْبَطُ بها جُرْزَةُ البَقْلِ، فقالَ أحمدُ: أَيْشْ هذهِ المسائِلُ؟! قيلَ لهُ: إنَّهُ إبراهيمُ بنُ أبي نُعَيْمٍ، فقالَ أحمدُ: إنْ كانَ إبراهيمُ بنُ أبي نُعَيمٍ، فَنَعَمْ هذا يُشْبِهُ ذاكَ.
وإنَّما أنْكَرَ هذهِ المسائِلَ مِمَّنْ لا يُشْبِهُ حَالَهُ، وأمَّا أهلُ التَّدْقيقِ في الوَرَعِ فيُشْبِهُ حَالُهم هذا، وقدْ كانَ الإِمامُ أحمدُ نفسُهُ يَسْتَعْمِلُ في نفسِهِ هذا الوَرَعَ؛ فإنَّهُ أَمَرَ مَنْ يَشْتَرِي لهُ سَمْنًا، فجاءَ بهِ على وَرَقَةٍ، فأمَرَ برَدِّ الورقةِ إلى البائِعِ. وكانَ أحمدُ لا يَسْتَمِدُّ مِنْ مَحَابِرِ أصحابِهِ، وإنَّما يُخْرِجُ معَهُ مَحْبَرَةً يَسْتَمِدُّ مِنها، واسْتَأْذَنَهُ رجلٌ أنْ يكْتُبَ مِنْ مَحْبَرَتِهِ، فقالَ لهُ: اكتُبْ؛ فهذا وَرَعٌ مُظْلِمٌ. واسْتَأْذَنَهُ آخَرُ في ذلكَ فتَبَسَّمَ وقالَ: لمْ يَبْلُغْ وَرَعِي ولا وَرَعُكَ هذا. وهذا قالَهُ على وَجْهِ التَّواضُعِ، وإلَّا فهوَ كانَ في نفسِهِ يَسْتَعْمِلُ هذا الوَرَعَ، وكانَ يُنكِرُهُ على مَنْ لمْ يَصِلْ إلى هذا المقامِ، بلْ يَتَسَامَحُ في المَكْرُوهَاتِ الظَّاهِرَةِ، ويُقْدِمُ على الشُّبُهاتِ منْ غيرِ توقُّفٍ.
وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَإِنَّ الْخَيْرَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الشَّرَّ رِيبَةٌ ) )، يعنِي: أنَّ الخيرَ تَطْمَئِنُّ بهِ القلوبُ، والشَّرَّ تَرْتَابُ بهِ، ولا تَطْمَئِنُّ إليهِ. وفي هذا إشارةٌ إلى الرجوعِ إلى القلوبِ عندَ الاشتباهِ، وسيأتِي مزيدٌ لهذا الكلامِ على حديثِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى.