الصفحة 87 من 391

وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ نحوَهُ بإسنادٍ ضعيفٍ عنْ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزَادَ فيهِ: قِيلَ لَهُ: فَمَن الوَرِعُ؟ قالَ: (( الَّذِي يَقِفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ ) ).

وقدْ رُوِيَ هذا الكلامُ موقوفًا على جماعةٍ مِن الصَّحابةِ؛ مِنهم: عُمَرُ، وابنُ عمرَ، وأبو الدَّرْدَاءِ. وعن ابنِ مسعودٍ قالَ: ما تُرِيدُ إلى ما يَرِيبُكَ وحولَكَ أرْبَعَةُ آلافٍ لا تَرِيبُكَ؟!

وقالَ عُمَرُ: دَعُوا الرِّبا والرِّيبَةَ -يَعْنِي: مَا ارْتَبْتُمْ فيهِ- وإنْ لمْ تَتَحَقَّقُوا أنَّهُ رِبًا.

ومعنى هذا الحديثِ يَرْجِعُ إلى الوقوفِ عندَ الشُّبُهاتِ واتِّقَائِها؛ فإنَّ الحلالَ المَحْضَ لا يَحْصُلُ للمؤمنِ في قلبِهِ مِنهُ رَيْبٌ -والرَّيْبُ: بمعنى القَلَقِ والاضْطِرَابِ- بلْ تَسْكُنُ إليهِ النَّفسُ، ويَطْمَئِنُّ بهِ القلبُ. وأمَّا المُشْتَبِهاتُ فيَحْصُلُ بها للقلوبِ القلقُ والاضْطِرَابُ المُوجِبُ للشَّكِّ.

وقالَ أبو عبدِ الرحمنِ العُمَرِيُّ الزَّاهِدُ: إذا كانَ العبدُ وَرِعًا تَرَكَ ما يَرِيبُهُ إلى ما لا يَرِيبُهُ.

وقالَ الفُضَيْلُ: يَزْعُمُ النَّاسُ أنَّ الوَرَعَ شديدٌ، وما وَرَدَ عَلَيَّ أمْرَانِ إلَّا أخَذْتُ بأشدِّهما، فَدَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ.

وقالَ حَسَّانُ بنُ أبي سِنَانٍ: ما شَيْءٌ أَهْوَنُ مِن الوَرَعِ، إذا رَابَكَ شَيْءٌ فدَعْهُ. وهذا إنَّما يَسْهُلُ على مِثْلِ حسَّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

قالَ ابنُ المُبَارَكِ: كَتَبَ غُلامٌ لحسَّانَ بنِ أبي سِنَانٍ إليهِ مِن الأَهْوَازِ: إنَّ قَصَبَ السُّكَّرِ أَصَابَتْهُ آفَةٌ، فَاشْتَرِ السُّكَّرَ فيما قِبَلَكَ. فاشْتَراهُ مِنْ رَجُلٍ، فلمْ يَأْتْ عليهِ إلَّا قليلٌ فإذا فيما اشْتَرَى رَبِحَ ثلاثينَ ألفًا، قالَ: فأتَى صاحِبَ السُّكَّرِ فقالَ: يا هذا، إنَّ غُلامِي كانَ كَتَبَ إِلَيَّ، فلَمْ أُعْلِمْكَ، فَأَقِلْنِي فيما اشْتَرَيْتُ مِنكَ، فقالَ لهُ الآخَرُ: قدْ أَعْلَمْتَنِي الآنَ، وقدْ طَيَّبْتُهُ لكَ. قالَ: فَرَجَعَ فلمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ، فَأَتَاهُ فقالَ: يا هذا، إنِّي لمْ آتِ هذا الأمْرَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَأُحِبُّ أنْ تَسْتَرِدَّ هذا البَيْعَ. قالَ: فما زالَ بهِ حتَّى رَدَّ عليهِ.

وكانَ يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ إذا طُلِبَ المَتَاعُ وَنَفَقَ وأَرْسَلَ يشتريهِ، يقولُ لِمَنْ يَشْتَرِي لهُ: أَعْلِمْ مَنْ تَشْتَرِي مِنهُ أنَّ المتاعَ قدْ طُلِبَ.

وقالَ هشامُ بنُ حَسَّانَ: تَرَكَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ أربعينَ ألفًا فيما لا تَرَوْنَ بهِ اليومَ بَأْسًا.

وكانَ الحَجَّاجُ بنُ دِينَارٍ قدْ بَعَثَ طعامًا إلى البَصْرَةِ معَ رجلٍ وأَمَرَهُ أنْ يَبِيعَهُ يَوْمَ يَدْخُلُ بسِعْرِ يَوْمِهِ، فَأَتَاهُ كِتَابُهُ: إنِّي قَدِمْتُ البَصْرَةَ، فوَجَدْتُ الطَّعامَ مُبَغَّضًا، فحَبَسْتُهُ، فزادَ الطَّعامُ فازْدَدْتُ فيهِ كذا وكذا. فكَتَبَ إليهِ الحجَّاجُ: إنَّكَ قدْ خُنْتَنَا، وعَمِلْتَ بخلافِ ما أَمَرْنَاكَ بهِ، فإذا أَتَاكَ كتابِي فتَصَدَّقْ بجميعِ ثَمَنِ ذلكَ الطعامِ على فُقَرَاءِ البصرةِ، فَلَيْتَنِي أَسْلَمُ إذا فعَلْتَ ذلكَ.

وتَنَزَّهَ يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ خَمْسِمِائَةِ ألفٍ مِنْ مِيراثِ أبيهِ، فلمْ يأْخُذْهُ، وكانَ أَبُوهُ يَلِي الأعمالَ للسَّلاطينِ، وكانَ يَزِيدُ يعملُ الخُوصَ ويَتَقَوَّتُ منهُ إلى أنْ ماتَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وكانَ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ قد احْتَكَرَ طعامًا كثيرًا، فرأَى سَحَابًا في الخَرِيفِ فكَرِهَهُ، فقالَ: أَلا أُرَانِي قدْ كَرِهْتُ ما يَنْفعُ المسلِمينَ؟ فآلى أنْ لا يَرْبَحَ فيهِ شيئًا، فأخبَرَ بذلكَ عمرَ بنَ الخطَّابِ، فقالَ لهُ عمرُ: جزاكَ اللَّهُ خيرًا.

وفي هذا أنَّ المُحْتَكِرَ يَنْبَغِي لهُ التَّنَزُّهَ عنْ رِبْحِ ما احْتَكَرَهُ احتكارًا مَنْهِيًّا عنهُ.

وقدْ نَصَّ الإِمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللَّهُ على التَّنَزُّهِ عنْ رِبْحِ ما لمْ يَدْخُلْ في ضمانِهِ لِدخولِهِ في رِبْحِ ما لمْ يُضْمَنْ، وقدْ نَهَى عنهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ أحمدُ في روايَةٍ عنهُ فيمَنْ أَجَّرَ ما اسْتَأْجَرَهُ برِبْحٍ: إنَّهُ يَتَصَدَّقُ بالرِّبْحِ. وقالَ في روايَةٍ عنهُ في رِبحِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت