الصفحة 90 من 391

الحديثُ الثَّانِيَ عَشَرَ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) ). حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ (1) .

(1) هذا الحديثُ خرَّجَهُ التِّرمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ مِنْ روايَةِ الأَوْزَاعِيِّ، عنْ قُرَّةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن الزُّهْرِيِّ، عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم. وقالَ التِّرمذِيُّ: غريبٌ. وقدْ حسَّنَهُ الشَّيخُ المُصنِّفُ رحِمَهُ اللَّهُ؛ لأنَّ رجالَ إسنادِهِ ثِقَاتٌ، وقُرَّةُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حَيْوِيلٍ وَثَّقَهُ قَوْمٌ وضَعَّفَهُ آخرونَ. وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا الحديثُ مَحْفُوظٌ عن الزُّهْرِيِّ بهذا الإِسنادِ مِنْ روايَةِ الثِّقاتِ، وهذا مُوَافِقٌ لتحسينِ الشَّيخِ لهُ. وأمَّا أكثرُ الأئمَّةِ فقالُوا: ليسَ هوَ بمحفوظٍ بهذا الإِسنادِ، وإنَّما هوَ محفوظٌ عن الزُّهْرِيِّ، عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا. كذلكَ روَاهُ الثِّقَاتُ عن الزُّهْرِيِّ؛ مِنهم: مالِكٌ في المُوَطَّأِ، ويُونُسُ، ومَعْمَرٌ، وإبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، إلَّا أنَّهُ قالَ: (( مِنْ إِيمَانِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) ). ومِمَّنْ قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ إلَّا عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ مُرْسَلًا الإِمامُ أحمدُ، ويَحْيَى بنُ مَعِينٍ، والبُخَارِيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ. وقدْ خَلَطَ الضُّعفاءُ في إسنادِهِ على الزُّهْرِيِّ تَخْلِيطًا فاحِشًا، والصَّحيحُ فيهِ المُرْسَلُ. ورَوَاهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ العُمَرِيُّ عن الزُّهْرِيِّ عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ عنْ أبيهِ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فوَصَلَهُ وجَعَلَهُ منْ مُسْنَدِ الحُسينِ بنِ عَلِيٍّ، وَخَرَّجَهُ الإِمامُ أَحْمَدُ في (مُسْنَدِهِ) منْ هذا الوَجْهِ. والعُمَرِيُّ ليسَ بالحافِظِ. وخرَّجَهُ أيضًا منْ وَجْهٍ آخرَ عن الحُسَيْنِ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وضَعَّفَهُ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ) مِنْ هذا الوجهِ أيضًا، وقالَ: لا يَصِحُّ إلَّا عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ مُرْسَلًا. وقدْ رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ وكُلُّها ضَعِيفَةٌ.

وهذا الحديثُ أَصْلٌ عظيمٌ مِنْ أُصُولِ الأدبِ، وقدْ حَكَى الإِمامُ أبو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ، عنْ أبي مُحَمَّدِ بنِ أبي زَيْدٍ إمامِ المالِكِيَّةِ في زمانِهِ أنَّهُ قالَ: جِمَاعُ آدَابِ الخيرِ وأَزِمَّتُهُ تَتَفَرَّعُ منْ أربعةِ أحاديثَ: قولِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) )، وقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) )، وقولِهِ للَّذِي اخْتَصَرَ لهُ في الوصيَّةِ: (( لَا تَغْضَبْ ) )، وقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) ).

ومعنَى هذا الحديثِ: أنَّ مِنْ حُسْنِ إسْلامِهِ تَرْكَ ما لا يَعْنِيهِ مِنْ قَوْلٍ وفِعْلٍ، واقْتَصَرَ على ما يَعْنيهِ مِن الأقوالِ والأفعالِ. ومعنَى يَعنِيهِ: أنَّهُ تَتَعَلَّقُ عِنَايَتُهُ بهِ، ويكُونُ منْ مَقْصِدِهِ ومطلوبِهِ، والعنايَةُ: شِدِّةُ الاهتمامِ بالشَّيءِ، يُقَالُ: عَناهُ يَعْنِيهِ: إذا اهْتَمَّ بهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت