الصفحة 91 من 391

وطلَبَهُ. وليسَ المُرادُ أنَّهُ يَتْرُكُ ما لا عِنايَةَ لهُ ولا إِرادةَ بحُكْمِ الهَوَى وطَلَبِ النَّفْسِ، بلْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ والإِسلامِ؛ ولهذا جعَلَهُ مِنْ حُسْنِ الإِسلامِ، فإذا حَسُنَ إسلامُ المرءِ ترَكَ ما لا يَعْنِيهِ في الإِسلامِ من الأقوالِ والأفعالِ؛ فإنَّ الإسلامَ يَقْتَضِي فِعْلَ الواجباتِ كما سَبَقَ ذِكْرُهُ في شرْحِ حديثِ جِبْرِيلَ عليهِ السَّلامُ.

وإنَّ الإِسلامَ الكامِلَ الممدوحَ يَدْخُلُ فيهِ تَرْكُ المُحَرَّمَاتِ، كما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) )، وإذا حَسُنَ الإِسلامُ اقْتَضَى تَرْكَ ما لا يَعْنِي كُلِّهِ مِن المُحَرَّمَاتِ والمُشْتَبِهاتِ والمَكْرُوهَاتِ، وفضولِ المُبَاحَاتِ التي لا يُحَتاجُ إليها؛ فإنَّ هذا كُلَّهُ لا يَعْنِي المسلمَ إذا كَمُلَ إسلامُهُ وبَلَغَ إلى درجةِ الإِحسانِ، وهوَ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تعالى كأنَّهُ يرَاهُ؛ فإنْ لمْ يَكُنْ يرَاهُ فإنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، فمَنْ عبدَ اللَّهَ على اسْتِحْضَارِ قُرْبِهِ ومُشَاهَدَتِهِ بقلبِهِ، أوْ على اسْتِحْضَارِ قُرْبِ اللَّهِ منهُ واطَّلاعِهِ عليهِ، فقدْ حَسُنَ إسلامُهُ، ولَزِمَ مِنْ ذلكَ أنْ يَتْرُكَ كُلَّ ما لا يَعْنِيهِ في الإِسلامِ، ويَشْتَغِلَ بما يَعْنِيهِ فيهِ؛ فإنَّهُ يَتَوَلَّدُ منْ هذَيْنِ المَقَامَيْنِ الاستحياءُ مِن اللَّهِ وتَرْكُ كُلِّ ما يُسْتَحْيَى منهُ، كما وَصَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلًا أنْ يَسْتَحِيَ مِن اللَّهِ كما يَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ صالِحِي عشيرَتِهِ لا يُفَارِقُهُ. وفي (المُسْنَدِ) والتِّرمِذِيِّ: عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: (( الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ) ).

قالَ بعضُهم: اسْتَحِ مِن اللَّهِ على قَدْرِ قُرْبِهِ مِنكَ، وخَفِ اللَّهَ على قَدْرِ قُدْرَتِهِ عليكَ.

وقالَ بعضُ العارِفينَ: إذا تَكَلَّمْتَ فاذْكُرْ سَمْعَ اللَّهِ لكَ، وإذا سَكَتَّ فاذْكُرْ نَظَرَهُ إليكَ.

وقدْ وَقَعَت الإِشارةُ في القرآنِ العظيمِ إلى هذا المَعْنَى في مواضِعَ: كقولِهِ تعالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16، 17، 18] ، وقولِهِ تعالَى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يُونُس: 61] ، وقالَ تعالَى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزُّخْرُف: 80] .

وأكثرُ ما يُرادُ بتَرْكِ ما لا يَعْنِي حِفْظُ اللِّسانِ مِنْ لَغْوِ الكلامِ، كما أُشِيرَ إلى ذلكَ في الآياتِ الأُولى التي هيَ في سورةِ (ق) .

وفي (المُسْنَدِ) مِنْ حديثِ الحُسَيْنِ: عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ قِلَّةَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ) ).

وخرَّجَ الخَرَائِطِيُّ مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ قالَ: أَتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنِّي مُطاعٌ فِي قَوْمِي، فَمَا آمُرُهُم؟ قَالَ لَهُ: (( مُرْهُمْ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَقِلَّةِ الْكَلَامِ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِمْ ) ).

وفي (صحيحِ ابنِ حِبَّانَ) : عنْ أبي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( كَانَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ. وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ ) ).

وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ عَدَّ كلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قلَّ كلامُهُ إلَّا فيما يَعْنِيهِ. وهوَ كما قالَ؛ فإنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ لا يَعُدُّ كلامَهُ مِنْ عملِهِ، فيُجَازِفُ فيهِ ولا يَتَحَرَّى، وقدْ خَفِيَ هذا على مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ حتَّى سأَلَ عنهُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت