الصفحة 95 من 391

قالَ تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفُرْقَان: 70] . وما ذَكَرْنَاهُ كُلَّهُ داخِلٌ في العَمَلِ الصَّالِحِ. ومَنْ كانَتْ هذهِ حالَهُ، فَإِنَّهُ يَتَجَرَّعُ مِنْ مرارةِ النَّدمِ والأسَفِ على ذُنُوبِهِ أضعافَ ما ذاقَ مِنْ حَلاوَتِهَا عندَ فِعْلِهَا، ويَصِيرُ كُلُّ ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ سَبَبًا لأعمالٍ صالِحَةٍ مَاحِيَةٍ لهُ، فلا يُسْتَنْكَرُ بعدَ هذا تبديلُ هذهِ الذُّنوبِ حسناتٍ.

وقدْ وَرَدَتْ أحاديثُ صريحةٌ في أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُهُ تبدَّلَتْ سيِّئَاتُهُ في الشِّرْكِ حسناتٍ، فخرَّجَ الطَّبرانِيُّ منْ حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عنْ أبي فَرْوَةَ شَطْبٍ، أنَّهُ أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّها وَلَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: (( أَسْلَمْتَ؟ ) )قالَ: نَعَمْ، قال: (( فَافْعَلِ الْخَيْرَاتِ، وَاتْرُكِ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهَا ) )، قالَ: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قالَ: (( نَعَمْ ) ). قالَ: فمَا زالَ يُكَبِّرُ حتَّى تَوَارَى. وخرَّجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بإسنادٍ ضعيفٍ، عنْ سَلَمَةَ بنِ نُفَيْلٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وخرَّجَ ابنُ أبي حاتِمٍ نحوَهُ مِنْ حديثِ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وخَرَّجَ البَزَّارُ الحديثَ الأوَّلَ، وعندَهُ: عنْ أبي طَوِيلٍ شَطْبٍ المَمْدُودِ، أنَّهُ أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذَكَرَهُ بمعناهُ. وكذا خَرَّجَهُ أبو القاسِمِ البَغَوِيُّ في (مُعْجَمِهِ) ، وذَكَرَ أنَّ الصَّوابَ: عنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ مُرْسَلًا، أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلٌ شَطْبٌ، والشَّطْبُ في اللُّغةِ: المَمْدُودُ، فَصَحَّفَهُ بعضُ الرُّواةِ، وظَنَّهُ اسْمَ رَجُلٍ.

الحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ

عَنْ أَنَسِ بنِ مَالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) ). رَوَاهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ (1) .

(1) هَذَا الحَدِيثُ خَرَّجَاهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) مِن حَدِيثِ قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، ولَفْظُ مُسْلِمٍ: (( حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ أَوْ لِأَخِيهِ ) )بالشَّكِّ.

وخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، ولَفْظُه: (( لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِن الْخَيْرِ ) ).

وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ مَعْنَى الرِّوَايَةِ المُخَرَّجَةِ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَأَنَّ المُرَادَ بنَفْيِ الْإِيمَانِ نَفْيُ بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ ونِهَايَتِهِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ كَثِيرًا مَا يُنْفَى لِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَرْكَانِهِ ووَاجِبَاتِهِ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حَينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) )، وقَوْلِهِ: (( لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأمَنُ جَارُهُ بوائِقَهُ ) ).

وقَدْ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مُرْتَكِبِ الكَبَائِرِ: هَلْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا نَاقِصَ الْإِيمَانِ، أَمْ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا؟ وَإِنَّما يُقالُ: هو مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، وهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإمَامِ أَحْمَدَ.

فَأَمَّا مَنِ ارْتَكَبَ الصَّغَائِرَ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ بالكُلِّيَّةِ، بَلْ هو مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، يَنْقُصُ مِن إِيمَانِهِ بِحَسَبِ مَا ارْتَكَبَ مِن ذَلِكَ.

والقَوْلُ بَأَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبَائِرِ يُقَالُ لَهُ: مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ مَرْوِيٌّ عنِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابنِ المُبَارَك، ِ وإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وغَيْرِهِم، والقَوْلُ بأنَّه مُسْلِمٌ، لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَرْوِيٌّ عن أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أَنَّه المُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت