فهرس الكتاب
وقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّانِي يُنْزَعُ مِنْهُ نُورُ الْإِيمَانِ. وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُنْزَعُ منه الْإيمَانُ، فَيَكُونُ فَوْقَه كالظُّلَّةِ، فَإِذَا تَابَ عَادَ إِلَيْهِ.
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ وأَبُو الدَّرْدَاءِ: الْإِيمَانُ كالقَمِيصِ، يَلْبَسُه الْإِنْسَانُ تَارَةً ويَخْلَعُه أُخْرَى، وكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وغَيْرُه، والمْعَنْى: أَنَّه إِذَا كَمَّلَ خِصَالَ الْإيمَانِ لَبِسَهُ، فَإِذَا نَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا نَزَعَهُ، وكُلُّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ الكَامِلِ التَّامِّ الذِي لَا يَنْقُصُ مِن وَاجِبَاتِهِ شَيْءٌ.
والمَقْصُودُ أَنَّ مِن جُمْلَةِ خِصَالِ الْإِيمَانِ الوَاجِبَةِ أَنْ يُحِبَّ المَرْءُ لِأَخِيهِ المُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، ويَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَقَدْ نَقَصَ إيمانُهُ بذلك. وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: (( أَحِبَّ للنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ) )خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَةَ.
وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِن حَدِيثِ مُعَاذٍ أنَّه سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أَفْضَلِ الْإِيمَانِ، قَالَ: (( أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ للَّهِ وتُبغِضَ لِلَّهِ، وتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ) )، قَالَ: ومَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( أَنْ تُحِبَّ للنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَأَنْ تَقُولَ خَيْرًا أَوْ تَصْمُتَ ) ).
وقَدْ رَتَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُخُولَ الجَنَّةِ عَلَى هَذِهِ الخَصْلَةِ؛ فَفِي (مُسْنَدِ) الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَن يَزِيدَ بنِ أَسَدٍ القَسْرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَتُحِبُّ الْجَنَّةَ ) )؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (( فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ) ).
وفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ) ).
وفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَولَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ ) ).
وإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، لِمَا رَأَى مِن ضَعْفِهِ، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذَا لكُلِّ ضَعِيفٍ، وإِنَّما كَانَ يَتَوَلَّى أُمُورَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَوَّاهُ عَلَى ذَلِكَ، وأَمَرَهُ بِدُعَاءِ الْخَلْقِ كُلِّهِم إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ يَتَوَلَّى سِيَاسَةَ دِينِهِم ودُنْيَاهُم.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تَقْرَأِ القُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، وَلَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ، وَلَا أَنْتَ سَاجِدٌ ) ).
وكَانَ مُحَمَّدُ بنُ وَاسِعٍ يَبِيعُ حِمَارًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَرْضَاهُ لِي؟ قَالَ: لَوْ رَضِيتُه لَمْ أَبِعْهُ، وهَذِهِ إِشَارَةٌ منه إِلَى أَنَّه لَا يَرْضَى لِأَخِيهِ إلَّا مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ، وهَذَا كُلُّهُ مِن جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ لعَامَّةِ المُسْلِمِينَ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ الدِّينِ كَمَا سَبَقَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِه.
وقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ حَدِيثَ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ ) )خَرَّجَاهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُؤْمِنَ يَسُوءُه مَا يَسُوءُ أَخَاهُ المُؤْمِنَ، ويُحْزِنُه مَا يُحْزِنُه.
وحَدِيثُ أَنَسٍ الذِي نَتَكَلَّمُ الْآنَ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُؤْمِنَ يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّ أَخَاهُ المُؤْمِنَ، ويُرِيدُ لِأَخِيهِ المُؤْمِنِ مَا يُرِيدُه لنَفْسِهِ مِن الخَيْرِ، وهَذَا كُلُّه إِنَّما يَأْتِي مِن كَمَالِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ مِن الغِلِّ والغِشِّ والحَسَدِ؛ فَإِنَّ الحَسَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكْرَهَ الحَاسِدُ أَنْ يَفُوقَه أَحَدٌ فِي خَيْرٍ، أَوْ يُسَاوِيَه فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَمْتَازَ عَلَى النَّاسِ بفَضَائِلِه، ويَنْفَرِدَ بِهَا عَنْهُم، والْإِيمَانُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وهو أَنْ يَشْرَكَه المُؤْمِنُونَ كُلُّهم فيما أَعْطَاهُ اللَّهُ مِن الخَيْرِ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ.