الصفحة 115 من 811

يعني: أنَّ (أيًّا) مِثْلُ (ما) في أنها تكونُ بلفظٍ واحدٍ للمذكَّرِ والمؤنَّثِ، مفردًا كانَ أو مثنًّى أو مجموعًا، نحوُ: (يُعْجِبُنِي أيُّهم هو قائمٌ) ، ثمَّ إنَّ (أيًّا) لها أربعةُ أحوالٍ:

أَحَدُها: أنْ تُضافَ ويُذْكَرَ صدرُ صِلَتِها، نحوُ: (يُعْجِبُنِي أيُّهم هو قائمٌ) .

الثاني: أنْ لا تُضافَ ولا يُذْكَرَ صدرُ صِلَتِها، نحوُ: (يُعْجِبُنِي أيٌّ قائمٌ) .

الثالثُ: أنْ لا تُضافَ، ويُذْكَرُ صَدْرُ صِلَتِها، نحوُ: (يُعْجِبُنِي أيٌّ هو قائمٌ) ، وفي هذه الأحوالِ الثلاثةِ تكونُ معربةً بالحركاتِ الثلاثِ، نحوُ: (يُعْجِبُنِي أيُّهم هو قائمٌ، ورأيتُ أَيَّهُم هو قائمٌ، ومَرَرْتُ بأيِّهم هو قائمٌ) ، وكذلك (أيٌّ قائمٌ وأيًّا قائمٌ، وأيٍّ قائمٌ) وكذا (أيٌّ هو قائمٌ، وأيًّا هو قائمٌ، وأيٍّ هو قائمٌ) .

الرابعُ: أنْ تُضافَ ويُحْذَفَ صدرُ الصلةِ، نحوُ: (يُعْجِبُنِي أيُّهم قائمٌ) ، ففي هذه الحالةِ تُبْنَى على الضمِّ، فتقولُ: (يُعْجِبُنِي أيُّهم قائمٌ، ورأيتُ أيُّهم قائمٌ، ومَرَرْتُ بأيُّهم قائمٌ) ، وعليه قولُه تعالى: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} ، وقولُ الشاعرِ:

33 -إذَا مَا لَقِيتَ بَنِي مَالِكٍ ... فسَلِّمْ عَلَى أَيُّهُمْ أَفْضَلُ [1]

(1) هذا البيتُ يُنْسَبُ لِغَسَّانَ بنِ وَعْلَةَ أحدِ الشعراءِ المُخَضْرَمِينَ مِن بَنِي مُرَّةَ بنِ عَبَّادٍ، وأَنْشَدَهُ أبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ في كتابِ الحروفِ، وابنُ الأنباريِّ في كتابِ (الإنصافِ) ، وقالَ قبلَ إنشادِه: (حَكَى أبو عَمْرٍو الشَّيبانِيُّ عن غَسَّانَ ـ وهو أحدُ مَن تُؤْخَذُ عنهم اللغةُ مِن العربِ ـ أنه أَنْشَدَ) وذَكَرَ البيتَ.

الإعرابُ: (إذا) ظرفٌ تَضَمَّنَ معنَى الشرطِ، (ما) زائدةٌ، (لَقِيتَ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في محلِّ جرٍّ بإضافةِ (إذا) إليها، وهي جملةُ الشرطِ، (بني) مفعولٌ به لِلَقِيَ، وبني مضافٌ و (مالكٍ) مضافٌ إليه، (فسَلِّم) الفاءُ داخلةٌ في جوابِ الشرطِ، وسَلِّمْ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تقديرُه أنتَ، (على) حرفُ جرٍّ، (أَيُّهُمْ) يُرْوَى بضمِّ (أيُّ) وبِجَرِّهِ، وهو اسمٌ موصولٌ على الحاليْنِ، فعلى الضمِّ هو مبنيٌّ، وهو الأكثرُ في مِثْلِ هذه الحالةِ، وعلى الجرِّ هو مُعْرَبٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، وعلى الحاليْنِ هو مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (أَفْضَلُ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: هو أَفْضَلُ، والجملةُ مِن المبتدأِ وخبرِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ الذي هو (أيُّ) .

الشاهدُ فيه: قولُه: (أَيُّهُمْ أَفْضَلُ) حيثُ أَتَى بأيٍّ مبنيًّا على الضمِّ ـ على الروايةِ المشهورةِ الكثيرةِ الدورانِ على أَلْسِنَةِ الرُّوَاةِ ـ لكونِه مضافًا، وقد حُذِفَ صدرُ صِلَتِه وهو المبتدأُ الذي قَدَّرْنَاهُ في إعرابِ البيتِ، وهذا هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وجماعةٍ من البَصْرِيِّينَ في هذه الكَلِمَةِ: يَذْهَبُونَ إلى أنها تأتي موصولةً، وتكونُ مبنيَّةً إذا اجْتَمَعَ فيها أمرانِ:

أحدُهما: أنْ تكونَ مضافةً لَفظًا.

والثاني: أنْ يكونَ صدرُ صِلَتِها محذوفًا.

فإذا لم تَكُنْ مضافةً أصلًا، أو كانَتْ مضافةً لكنْ ذُكِرَ صدرُ صِلَتِها، فإنَّها تكونُ مُعْرَبَةً، وذَهَبَ الخليلُ بنُ أحمدَ ويُونُسُ بنُ حَبِيبٍ ـ وهما شيخانِ مِن شيوخِ سِيبَوَيْهِ ـ إلى أنَّ أيًّا لا تَجِيءُ موصولةً، بل هي إمَّا شرطيَّةٌ وإما استفهاميَّةٌ، لا تَخْرُجُ عن هذيْنِ الوجهيْنِ.

وذَهَبَ جماعةٌ مِن الكُوفِيِّينَ إلى أنها قد تأتي موصولةً، ولكنَّها مُعْرَبَةٌ في الأحوالِ كُلِّها، أُضِيفَتْ أو لم تُضَفْ، حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها أو ذُكِرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت