فهرس الكتاب
وكذلك يَجُوزُ حذفُ الهاءِ مِن (مُعْطِيكَهُ) فتقولُ: (الذي أنا مُعْطِيكَ دِرْهَمٌ) ، ومِنه قولُه:
34 -ما اللهُ مُولِيكَ فَضْلٌ فَاحْمَدَنْهُ بِهِ ... فَمَا لَدَى غَيْرِهِ نَفْعٌ وَلاَ ضَرَرُ [1]
تقديرُه: الذي اللهُ مُولِيكَهُ فَضْلٌ. فحُذِفَتِ الهاءُ.
وكلامُ المصنِّفِ يَقْتَضِي أنه كثيرٌ، وليسَ كذلكَ، بل الكثيرُ حَذْفُه مِن الفعلِ المذكورِ، وأمَّا معَ الوصفِ فالحذفُ مِنه قليلٌ.
(1) هذا البيتُ مِن الشواهدِ التي ذَكَرُوها ولم يَنْسُبُوها إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ.
اللغةُ: (مُولِيكَ) اسمُ فاعلٍ مِن أَوْلاَهُ النعمةَ، إذا أَعْطَاهَا إيَّاهُ، (فَضْلٌ) إحسانٌ.
المعنى: الذي يَمْنَحُكَ اللهُ مِن النِّعَمِ فَضْلٌ مِنه عليكَ، ومِنَّةٌ جاءَتْكَ مِن عندِهِ مِن غيرِ أنْ تَسْتَوْجِبَ عليه سُبْحَانَهُ شيئًا مِن ذلك، فاحْمَدْ رَبَّكَ عليه، واعْلَمْ أنَّه هو الذي يَنْفَعُكَ ويَضُرُّكَ، وأنَّ غَيْرَه لا يَمْلِكُ لكَ شيئًا مِن نَفْعٍ أو ضَرٍّ.
الإعرابُ: (ما) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، (اللَّهُ) مبتدأٌ، (مُولِيكَ) مُولِي: خبرٌ عن لفظِ الجلالةِ، وله فاعلٌ مُسْتَتِرٌ فيه عائدٌ على الاسمِ الكريمِ، والكافُ ضميرُ المخاطَبِ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ جرٍّ بالإضافةِ، وهو المفعولُ الأوَّلُ للمُولِي، وله مفعولٌ ثانٍ محذوفٌ، وهو العائدُ على الموصولِ، والتقديرُ: مُولِيكَهُ، والجملةُ من المبتدأِ والخبرِ لا محَلَّ لها من الإعرابِ؛ صلةُ الموصولِ، (خَيْرٌ) خبرٌ عن (ما) الموصولةِ، (فاحْمَدَنْهُ) الفاءُ عاطفةٌ، احْمَدْ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تقديرُه أنتَ، والنونُ نونُ التوكيدِ، والضميرُ البارزُ المتَّصِلُ مفعولٌ به، (بِهِ) جارٌّ ومجرورٌ، مُتَعَلِّقٌ باحْمَدْ، (فَمَا) الفاءُ للتعليلِ، وما: نافيةٌ تَعْمَلُ عملَ ليسَ، (لَدَى) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ (ما) مُقَدَّمٌ على اسمِها، وجازَ تَقْدِيمُه لأنَّه ظرفٌ يُتَوَسَّعُ فيه، ولَدَى مضافٌ وغيرِ مِن (غيرِه) مضافٌ إليه، وغيرِ مضافٌ والضميرُ الموضوعُ للغائِبِ العائدُ على اللهِ سُبْحَانَهُ مضافٌ إليه، (نَفْعٌ) اسمُ (ما) مؤخَّرٌ، (ولا) الواوُ عاطفةٌ، ولا نافيةٌ، (ضَرَرُ) معطوفٌ على نَفْعٌ، ويجوزُ أنْ تكونَ (ما) نافيةً مُهْمَلَةً، و (لَدَى) مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مقدَّمٌ، و (نَفْعٌ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (ما اللهُ مُولِيكَ) حيثُ حَذَفَ الضميرَ العائدَ على الاسمِ الموصولِ؛ لأنَّه منصوبٌ بوَصْفٍ، وهذا الوصفُ اسمُ فاعلٍ، وأصلُ الكلامِ: ما اللهُ مُولِيكَهُ؛ أي: الشيءَ الذي اللهُ تعالى مُعْطِيكَهُ هو فضلٌ وإحسانٌ مِنه عليكَ.
واعْلَمْ أنه يُشْتَرَطُ في حذفِ العائدِ المنصوبِ بالوصفِ ألاَّ يكونَ هذا الوصفُ صِلَةً لألْ، فإنْ كانَ الوصفُ صِلَةً لألْ كانَ الحذفُ شاذًّا، كما في قولِ الشاعرِ:
ما المُسْتَفِزُّ الهَوَى مَحْمُودَ عَاقِبَةٍ ... ولو أُتِيحَ لَهُ صَفْوٌ بِلاَ كَدَرِ
كانَ يَنْبَغِي أنْ يقولَ: ما المُسْتَفِزُّهُ الهَوَى محمودَ عاقبةٍ، فحَذَفَ الضميرَ المنصوبَ معَ أنَّ ناصِبَه صلةٌ لألْ، ومثلُه قولُ الآخرِ:
في المُعْقِبِ البَغْيِ أَهْلَ البَغْيَ مَا ... يَنْهَى امْرأً حَازِمًا أنْ يَسْأَمَا
أرادَ أنْ يقولَ: في المُعْقِبِهِ البَغْيَ. فلم يَتَّسِعْ لَهُ الكلامُ.
وإنما يَمْتَنِعُ حذفُ المنصوبِ بصِلَةِ ألْ إذا كانَ هذا المنصوبُ عائدًا على ألْ نَفْسِها؛ لأنَّه هو الذي يَدُلُّ على اسميَّةِ ألْ، فإذا حُذِفَ زالَ الدليلُ على ذلكَ.