الصفحة 121 من 811

فإنْ كانَ الضميرُ مُنْفَصِلًا [1] لم يَجُزِ الحذفُ، نحوُ: (جاءَ الذي إيَّاهُ ضَرَبْتُ) ، فلا يَجُوزُ حذفُ (إيَّاه) ، وكذلكَ يَمْتَنِعُ الحذفُ إنْ كانَ متصلاًَ منصوبًا بغيرِ فعلٍ أو وصفٍ، وهو الحرفُ، نحوُ: (جاءَ الذي إنه منطلِقٌ) ، فلا يَجُوزُ حذفُ الهاءِ [2] ، وكذلكَ يَمْتَنِعُ الحذفُ إذا كانَ منصوبًا متصلًا بفعلٍ ناقصٍ، نحوُ: (جاءَ الذي كانَه زيدٌ) .

كذاكَ حَذْفُ ما بوَصْفٍ خُفِضَا ... كأنتَ قاضٍ بعدَ أمرٍ مِن قَضَى [3]

كذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرْ ... كـ (مُرَّ بالذي مَرَرْتُ فَهْوَ بَرْ) [4]

(1) الذي لا يَجُوزُ حذفُه هو الضميرُ الواجبُ الانفصالِ، فأمَّا الضميرُ الجائزُ الانفصالِ فيجوزُ حذفُه، وإنما يكونُ الضميرُ واجبَ الانفصالِ إذا كانَ مقدَّمًا على عاملِه كما في المثالِ الذي ذَكَرَه الشارِحُ، أو كانَ مقصورًا عليه كقولِكَ: جاءَ الذي ما ضَرَبْتُ إلاَّ إيَّاهُ، والسرُّ في عدمِ جوازِ حذفِه حينَئذٍ أنَّ غَرَضَ المتكلِّمِ يَفُوتُ بِسَبَبِ حَذْفِهِ، ألاَ تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ: (جاءَ الذي إيَّاهُ ضَرَبْتُ) كانَ المعنى: جاءَ الذي ضَرَبْتُهُ ولم أَضْرِبْ سِوَاهُ، فإذا قُلْتَ: (جاءَ الذي ضَرَبْتُ) صارَ غيرَ دالٍّ على أنك لم تَضْرِبْ سِوَاهُ، وكذلك الحالُ في قولِكَ: (جاءَ الذي ما ضَرَبْتُ إلاَّ إيَّاهُ) ؛ فإنَّه يَدُلُّ على أنَّكَ قد ضَرَبْتَ هذا الجائِيَ ولم تَضْرِبْ غيره، فإذا قلتَ: (جاءَ الذي ما ضَرَبْتُ) دَلَّ الكلامُ على أنكَ لم تَضْرِبْ هذا الجائِيَ فحَسْبُ، فانْعَكَسَ المعنى بالنسبةِ للجائِي، ولم يَدُلَّ شيءٌ بالنظرِ لغيرِ الجائِي.

فأمَّا المنفصِلُ جوازًا فيجوزُ حذفُه، والدليلُ على ذلكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

* مَا اللَّهُ مُولِيكَ فَضْلٌ فَاحْمَدَنْهُ بِهِ *

فإنَّ التقديرَ يَجُوزُ أنْ يكونَ (ما اللهُ مُولِيكَهُ) ويجوزُ أنْ يكونَ: (ما اللهُ مُولِيكَ إِيَّاهُ) وقد عَرَفْتَ فيما سَبَقَ - في مباحثِ الضميرِ - السرَّ في جوازِ الوجهيْنِ، وممَّا يَدُلُّ على جوازِ حذفِ الجائزِ الانفصالِ قولُ اللهِ تعالى: {فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} فإنَّه يجوزُ أنْ يكونَ التقديرُ: (بالذي آتَاهُمُوهُ رَبُّهُم) وأنْ يكونَ التقديرُ: (بالذي آتَاهُمْ إيَّاهُ رَبُّهُم) ، والثاني أَوْلَى، فيُحْمَلُ عليه تقديرُ الآيةِ الكريمةِ، وكذلك قولُ اللهِ تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} فإنَّه يجوزُ أنْ يكونَ التقديرُ: (ومِن الذي رَزَقْنَاهُمُوهُ) كما يَجُوزُ أنْ يكونَ التقديرُ: (ومِن الذي رَزَقْنَاهُمْ إيَّاهُ) .

(2) إنما قالَ الشارِحُ: (فلا يَجُوزُ حذفُ الهاءِ) إشارةً إلى أنَّ الممنوعَ هو حذفُ الضميرِ المنصوبِ بالحرفِ معَ إبقاءِ الحرفِ، فأما إذا حَذَفْتَ الضميرَ والحرفَ الناصبَ له جميعًا فإنَّه لا يَمْتَنِعُ، ومن ذلك قولُ اللهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ، هذا إذا قَدَّرْتَ أصلَ الكلامِ: أينَ شُرَكَائِيَ الذين كُنْتُم تَزعُمُون أنهم شُرَكَائِي، على حدِّ قولِ كُثَيِّرٍ:

وَقَدْ زَعَمَتْ أَنِّي تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا ... وَمَنْ ذَا الَّذِي يَا عَزُّ لاَ يَتَغَيَّرُ

فإن قَدَّرْتَ الأصلَ: (الذين كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهُم شُرَكَائِي) لم يَكُنْ من هذا النوعِ.

(3) (كذاكَ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مقدَّمٌ، والكافُ حرفُ خطابٍ، (حَذْفُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وحَذْفُ مضافٌ، و (ما) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جرٍّ، (بِوَصْفٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (خُفِضَ) الآتِي، (خُفِضَا) خُفِضَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (ما) ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةٌ، (كأنتَ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ؛ أي: كقولِكَ، أنتَ: مبتدأٌ، (قاضٍ) خبرُ المبتدأِ، (بَعْدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٍ للقولِ الذي قَدَّرْنَاهُ مجرورًا بالكافِ، وبعدَ مضافٌ و (أمرٍ) مضافٌ إليه، (مِن قَضَى) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٍ لأَمْرٍ؛ أي: بعدَ فعلِ أمرٍ مُشْتَقٍّ من مادَّةِ قَضَى، يُشِيرُ إلى قولِهِ تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} . كما قالَ الشارِحُ.

(4) (كَذَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ، (الذي) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (جُرَّ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (الذي) ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةٌ، (بِمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ الذي قَبْلَه، (المَوْصُولَ) مفعولٌ مُقَدَّمٌ لجَرَّ الآتِي، (جَرْ) فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (ما) ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ صلةٌ، (كَمُرَّ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، وهي ومجرورُها يَتَعَلَّقَانِ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلكَ كائنٌ كقولِكَ، مُرَّ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ أنتَ، (بالذي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمُرَّ السابقِ، (مَرَرْتُ) فعلٌ ماضٍ وفاعلٌ، والجملةُ لا محَلَّ لها؛ صِلَةٌ، والعائدُ محذوفٌ تقديرُه (به) ، وقولُه: (فَهْوَ بَرْ) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ شرطٍ محذوفٍ، وهو: ضميرٌ منفصلٌ مبتدأٌ، بَرْ: خبرُ المبتدأِ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في محَلِّ جزمِ جوابِ ذلكَ الشرطِ المحذوفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت