فهرس الكتاب
لَمَّا فَرَغَ مِن الكلامِ على الضميرِ المرفوعِ والمنصوبِ شَرَعَ في الكلامِ على المجرورِ، وهو إما أنْ يكونَ مجرورًا بالإضافةِ أو بالحرفِ.
فإن كانَ مجرورًا بالإضافةِ لم يُحْذَفْ إلاَّ إذا كانَ مجرورًا بإضافةِ اسمِ فاعلٍ بمعنى الحالِ أو الاستقبالِ، نحوُ: (جاءَ الذي أنا ضارِبُه الآنَ أو غدًا) فتقولُ: (جاءَ الذي أنا ضاربٌ) بحذفِ الهاءِ.
وإنْ كانَ مجرورًا بغيرِ ذلكَ لم يُحْذَفْ، نحوُ: (جاءَ الذي أنا غلامُه، أو أنا مضروبُه، أو أنا ضاربُه أمسِ) ، وأشارَ بقولِه: (كأَنْتَ قَاضٍ) إلى قولِهِ تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} ، التقديرُ: (ما أنتَ قَاضِيه) ، فحُذِفَتِ الهاءُ، وكأنَّ المصنِّفَ اسْتَغْنَى بالمثالِ عن أنْ يُقَيِّدَ الوصفَ بكونِه اسمَ فاعلٍ بمعنَى الحالِ أو الاستقبالِ.
وإنْ كانَ مجرورًا بحرفٍ فلا يُحْذَفُ إلاَّ إنْ دَخَلَ على الموصولِ حرفٌ مثلُه لفظًا ومعنًى واتَّفَقَ العاملُ فيهما مادَّةً، نحوُ: (مَرَرْتُ بالذي مَرَرْتَ به، أو أنتَ مارٌّ به) ، فيَجُوزُ حذفُ الهاءِ فتقولُ: (مَرَرْتُ بالذي مَرَرْتَ) قالَ اللهُ تعالى: {وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} ؛ أي: منه، وتقولُ: (مَرَرْتُ بالذي أنتَ مارٌّ) ؛ أي: به، ومِنه قولُه:
35 -وقدْ كُنْتَ تُخْفِي حُبَّ سَمْرَاءَ حِقْبَةً ... فَبُحْ لاَنَ مِنْهَا بالَّذِي أنتَ بائحُ [1]
(1) هذا البيتُ لِعَنْتَرَةَ بنِ شَدَّادٍ الْعَبْسِيِّ، الشَّاعِرِ المشهورِ والفارِسِ المذكورِ، مِن كَلِمَةٍ مَطْلَعُها:
طَرِبْتَ وَهَاجَتْكَ الظِّبَاءُ السَّوَانِحُ ... غَدَاةَ غَدَتْ مِنْهَا سَنِيحٌ وبَارِحُ
تَغَالَتْ بِيَ الأَشْوَاقُ حَتَّى كَأَنَّمَا ... بِزَنْدَيْنِ فِي جَوْفِي مِنَ الْوَجْدِ قَادِحُ
اللغةُ: (طَرِبْتَ) الطَّرَبُ: خِفَّةٌ تَعْتَرِيكَ مِن سُرُورٍ أو حُزْنٍ، (هَاجَتْكَ) أَثَارَتْ هَمَّكَ، وبَعَثَتْ شَوْقَكَ، (الظِّباءُ) جَمْعُ ظبيٍ، (السَّوَانِحُ) جمعُ سانحٍ، وهو ما أتاكَ عن يَمِينِكَ فوَلاَّكَ مَيَاسِرَهُ مِن ظبيٍ أو طيرٍ أو غيرِهما، ويقالُ له: سَنِيحٌ، (بَارِحُ) هو ضدُّ السانِحِ، وهو ما أتاكَ عن يَسَارِكَ فوَلاَّكَ مَيَامِنَه، (قادِحُ) اسمُ فاعلٍ مِن قَدَحَ الزَّنْدَ قَدْحًا، إذا ضَرَبَه لِتَخْرُجَ منه النارُ، (حِقْبَةً) بكسرٍ فسكونٍ: في الأصلِ تُطْلَقُ على ثمانينَ عامًا، وقد أرادَ بها المدَّةَ الطويلةَ، (فَبُحْ) أمرٌ مِن (باحَ بالأمرِ يَبُوحُ به) ؛ أي: أَعْلَنَه وأَظْهَرَهُ، (لاَنَ) أي: الآنَ، فحَذَفَ همزةَ الوصلِ والهمزةَ التي بعدَ اللامِ، ثمَّ فَتَحَ اللامَ لمناسبةِ الألفِ، وقيلَ: بل هي لغةٌ في الآنَ، ومثلُه قولُ جَرِيرِ بنِ عَطِيَّةَ:
أَلاَنَ وَقَدْ نَزَعْتَ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ صِرْتَ لَهُمْ عَذَابَا
وقولُ الآخَرِ:
أَلاَ يَا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي عُمَيْرٍ ... أَرَثٌّ لاَنَ وَصْلُكِ أَمْ جَدِيدُ
وقولُ أَشْجَعَ السُّلَمِيِّ:
أَلاَنَ اسْتَرَحْنَا واسْتَرَاحَتْ رِكَابُنَا ... وأَمْسَكَ مَنْ يُجْدِي ومَن كَانَ يَجْتَدِي
ورَوَى الأَعْلَمُ بيتَ الشاهدِ هكذا:
تَعَزَّيْتَ عن ذِكْرَى سُمَيَّةَ حِقْبَةً ... فَبُحْ عَنْكَ مِنْهَا بِالَّذِي أَنْتَ بَائِحُ
وأَنْشَدَهُ الأخفشُ كما في الشرحِ، وهو كذلكَ في المشهورِ مِن شِعْرِ عَنْتَرَةَ.
الإعرابُ: (قدْ) حرفُ تحقيقٍ، (كُنْتَ) كانَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، وتاءُ المخاطَبِ اسمُه مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعٍ، (تُخْفِي) فعلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، والجملةُ مِن تُخْفِي وفاعلِهِ خبرُ (كانَ) في محلِّ نصبٍ، (حُبَّ) مفعولٌ به لِتُخْفِي، وحُبَّ مضافٌ و (سَمْرَاءَ) مضافٌ إليه، (حِقْبَةً) ظرفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بتُخْفِي، (فَبُحْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (لاَنَ) ظرفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِبُحْ، (بالذي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ببُحْ أيضًًا، (أَنْتَ بائِحُ) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملةُ منهما لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ المجرورِ مَحَلاًّ بالباءِ، والعائدُ محذوفٌ، وتقديرُ الكلامِ: فَبُحِ الآنَ بالذي أنتَ بائحٌ به.
الشاهدُ فيه: قولُه: (بِالَّذِي أَنْتَ بَائِحُ) حيثُ اسْتَسَاغَ الشاعرُ حَذْفَ العائدِ على الموصولِ من جملةِ الصلةِ؛ لكونِه مجرورًا بمِثْلِ الحرفِ الذي جَرَّ الموصولَ ـ وهو الباءُ ـ والعاملُ في الموصولِ مُتَّحِدٌ معَ العاملِ في العائدِ مادَّةً: الأوَّلُ: (بُحْ) ، والثاني: (بائِحٌ) ، ومعنًى: لأنَّهما جميعًا من البَوْحِ بمعنى الإظهارِ والإعلانِ.