الصفحة 123 من 811

أي: أنتَ بائحٌ به.

فإنِ اخْتَلَفَ الحرفانِ لم يَجُزِ الحذفُ، نحوُ: (مَرَرْتُ بالذي غَضِبْتَ عليه) فلا يَجُوزُ حذفُ (عليه) ، وكذلك (مَرَرْتُ بالذي مَرَرْتَ به على زيدٍ) ، فلا يَجُوز حذفُ (به) مِنه؛ لاختلافِ معنَى الحرفيْنِ؛ لأنَّ الباءَ الداخلةَ على الموصولِ للإلصاقِ والداخلةَ على الضميرِ للسببيَّةِ، وإنِ اخْتَلَفَ العاملانِ لم يَجُزِ الحذفُ أيضًا، نحوُ: (مَرَرْتُ بالذي فَرِحْتَ به) ، فلا يَجُوزُ حذفُ (به) .

وهذا كلُّه هو المشارُ إليه بقولِهِ: (كَذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرَّ) ؛ أي: كذلك يُحْذَفُ الضميرُ الذي جُرَّ بمثلِ ما جُرَّ الموصولُ به [1] نحوُ: (مَرَرْتُ بالذي مَرَرْتَ فَهْوَ بَرْ) ؛ أي: الذي مَرَرْتَ به.

فاسْتَغْنَى بالمثالِ عن ذِكْرِ بقيَّةِ الشروطِ التي سَبَقَ ذِكْرُها [2] .

(1) ومثلُه أنْ يكونَ الموصولُ وصفًا لاسمٍ، وقد جُرَّ هذا الموصوفُ بحرفٍ مثلِ الذي جَرَّ العائدَ، ومنه قولُ كَعْبِ بنِ زُهَيْرٍ:

إنْ تُعْنَ نَفْسُكَ بِالأَمْرِ الذي عُنِيَتْ ... نُفُوسُ قَوْمٍ سَمَوْا تَظْفَرْ بِمَا ظَفِرُوا

لا تَرْكَنَنَّ إِلَى الأَمْرِ الَّذِي رَكَنَتْ ... أَبْنَاءُ يَعْصُرَ حِينَ اضْطَرَّهَا الْقَدَرُ

ففي كلِّ بيتٍ من هذيْنِ البيتيْنِ شاهدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ:

أمَّا البيتُ الأوَّلُ فإنَّ الشاهدَ فيه قولُه: (بالأمرِ الذي عُنِيَتْ) فإنَّ التقديرَ فيه: بالأمرِ الذي عُنِيَتْ به، فحَذَفَ المجرورَ ثمَّ الجارَّ؛ لِكَوْنِ الموصوفِ بالموصولِ مجرورًا بمثلِ الذي جَرَّ ذلك العائدَ.

وأمَّا البيتُ الثاني فالشاهدُ فيه قولُه: (إلى الأمرِ الذي رَكَنَتْ) ، فإنَّ تقديرَ الكلامِ: إلى الأمرِ الذي رَكَنَتْ إليه، فحَذَفَ المجرورَ، ثمَّ حَذَفَ الجارَّ؛ لِكَوْنِ الموصوفِ ـ وهو الأمرُ ـ مجرورًا بحرفِ جرٍّ مُمَاثِلٍ للحرفِ الذي جُرَّ به ذلكَ العائدُ.

(2) من أحكامِ صلةِ الموصولِ أنه يَجِبُ تَأَخُّرُها عن الموصولِ، وأنْ تَتَّصِلَ به.

أمَّا تَأَخُّرُها عنه فلأنَّها كالجزءِ المُتَمِّمِ له، ومِن شأنِ الجزءِ المتمِّمِ أنْ يَقَعَ بعدَ ما له التمامُ، وعلى ذلكَ يَجِبُ ألاَّ تَتَقَدَّمَ على الموصولِ، لا هي ولا شيءٌ من مُتَعَلِّقَاتِها؛ ولهذا قَدَّرَ النحاةُ في قَوْلِهِ تعالى: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} أن (فِيهِ) مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ تَدُلُّ عليه صلةُ ألْ، وتقديرُ الكلامِ: وكانوا زاهدينَ فيه مِن الزاهدينَ؛ لئلاَّ يَتَقَدَّمَ معمولُ صلةِ ألْ عليها.

وأمَّا اتِّصَالُها به فقد خَالَفُوا هذا فأجازُوا أنْ يُفْصَلَ بينَ الموصولِ وصِلَتِه: وجملةِ القَسَمِ، وجملةِ النداءِ، والجملةِ الاعتراضيَّةِ، فمثالُ الأُولَى قولُ الشاعرِ:

ذاكَ الذي - وأَبِيكَ - يَعْرِفُ مَالِكًا ... والحَقُّ يَدْفَعُ تُرَّهَاتِ الْبَاطِلِ

ومثالُ الثانيةِ قولُ الفَرَزْدَقِ:

تَعَشَّ فإنْ عَاهَدْتَنِي لاَ تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ - يا ذِئْبُ -يَصْطَحِبَانِ

ومثالُ الثالثةِ قولُ الشاعرِ:

وإني لراجٍ نَظْرَةً قِبَلَ الَّتِي ... لَعَلِّي وإِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا أَزُورُهَا

إذا جَعَلْتَ جملةَ (أَزُورُهَا) صِلَةَ التي، وجملةَ (لعل) ومَعْمُولَيْهَا لا محلَّ لها مُعْتَرِضَةً بينَ الموصولِ والصلةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت