فهرس الكتاب
37 -رَأَيْتُكَ لَمَّا أَنْ عَرَفْتَ وُجُوهَنَا ... صَدَدْتَ وطِبْتَ النَّفْسَ يَا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو [1]
والأصلُ: (وطِبْتَ نَفْسًا) ، فزادَ الألفَ واللامَ، وهذا بناءً على أنَّ التمييزَ لا يكونُ إلاَّ نَكِرَةً، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى جوازِ كونِه مَعْرِفَةً، فالألفُ واللامُ عندَهم غيرُ زائدةٍ، وإلى هذيْنِ البيتيْنِ اللذيْنِ أَنْشَدْنَاهُما أشارَ المصنِّفُ بقولِهِ: (كبَنَاتِ الأَوْبَرِ) ، وقولِهِ: (وطِبْتَ النَّفْسَ يا قَيْسُ السَّرِي) .
وبعضُ الاعلامِ عَلَيْهِ دَخَلاَ ... لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلاَ [2]
(1) البيتُ لرَشِيدِ بنِ شِهَابٍ اليَشْكُرِيِّ، وزَعَمَ التُّوزِيُّ ـ نقلًا عن بعضِهم ـ أنه مصنوعٌ لا يُحْتَجُّ به، وليسَ كذلكَ؛ لأنَّ العلماءَ عَرَّفُوا قائِلَه ونَسَبُوه إليه.
اللغةُ: (رَأَيْتُكَ) الخطابُ لقَيْسِ بنِ مَسْعُودِ بنِ قَيْسِ بنِ خالِدٍ اليَشْكُرِيِّ، وهو المذكورُ في آخرِ البيتِ، (وُجُوهَنَا) أرادَ بالوجوهِ ذَوَاتِهِم، ويُرْوَى: (لَمَّا أنْ عَرَفْتَ جِلادَنَا) ؛ أي: ثَبَاتَنَا في الحربِ وشِدَّةَ وَقْعِ سُيُوفِنا، (صَدَدْتَ) أَعْرَضْتَ ونَأَيْتَ، (طِبْتَ النَّفْسَ) يُرِيدُ أنكَ رَضِيتَ، (عَمْرِو) كانَ صديقًا حميمًا لقيسٍ، وكانَ قومُ الشاعرِ قد قَتَلُوه.
المَعْنَى: يُنَدِّدُ بقَيْسٍ؛ لأنَّه فَرَّ عن صَدِيقِه لَمَّا رَأَى أَسْيَافَهُم، ورَضِيَ من الغنيمةِ بالإيابِ، فلم يُدَافِعْ عنه، ولم يَتَقَدَّمْ للأخذِ بثَأْرِهِ بعدَ أنْ قُتِلَ.
الإعرابُ: (رَأَيْتُكَ) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، وليسَ بحاجةٍ لمفعولٍ ثانٍ؛ لأنَّ (رأَى) هنا بَصَرِيَّةٌ، (لَمَّا) ظرفيَّةٌ بمعنَى حينَ تَتَعَلَّقُ برَأَى، (أنْ) زائدةٌ، (عَرَفْتَ) فِعلٌ وفاعلٌ، (وُجُوهَنَا) وجوهَ: مفعولٌ به لعَرَفَ، ووجوهَ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (صَدَدْتَ) فعلٌ وفاعلٌ، وهو جوابُ (لَمَّا) ، و (طِبْتَ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ معطوفةٌ على جملةِ صَدَدْتَ، (النَّفْسَ) تمييزُ نسبةٍ، (يا قَيْسُ) يا: حرفُ نداءٍ، و (قيسُ) مُنادًى، وجملةُ النداءِ لا مَحَلَّ لها مُعْتَرِضَةٌ بينَ العاملِ ومعمولِهِ، (عَنْ عَمْرِو) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بصَدَدْتَ، أو بطِبْتَ على أنه ضَمَّنَه معنى تَسَلَّيْتَ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (طِبْتَ النَّفْسَ) حيثُ أَدْخَلَ الألفَ واللامَ على التمييزِ ـ الذي يَجِبُ له التنكيرُ ـ ضرورةً، وذلك التخريجُ جارٍ على مذهَبِ البَصريينَ، وقد ذَكَرَ الشارِحُ أن الكُوفِيِّينَ لا يُوجِبُونَ تنكيرَ التمييزِ، بل يَجوزُ عندَهم أنْ يكونَ معرفةً وأنْ يكونَ نَكِرَةً، وعلى ذلكَ لا تكونُ (ألْ) زائدةً، بل تكونُ مُعَرِّفَةً.
ومِن العلماءِ مَن قالَ: (النَّفْسَ) مفعولٌ به لِصَدَدْتَ، وتمييزُ طِبْتَ محذوفٌ، والتقديرُ على هذا: صَدَدْتَ النفسَ وطِبْتَ نفسًا يا قيسُ عن عَمْرٍو، وعلى هذا لا يكونُ في البيتِ شاهدٌ، ولكِنْ في هذا التقديرِ مِن التكلُّفِ ما لا يَخْفَى.
ومن هذا النوعِ ألِ الداخلةُ على الحالِ، كما في قَوْلِهِم: (ادْخُلُوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ) ، فإنَّ (ألْ) فيه زائدةٌ؛ لأنَّ الحالَ يَجِبُ أنْ يكونَ نَكِرَةً.
(2) (وبعضُ) مبتدأٌ، وبعضُ مضافٌ و (الأعلامِ) مضافٌ إليه، (عَلَيْهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بدَخَلَ الآتِي، (دَخَلاَ) دَخَلَ: فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على ألْ، والألفُ للإطلاقِ، والجملةُ في محلِّ رَفْعِ خبرِ المبتدأِ، (لِلَمْحِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بدَخَلَ، ولَمْحِ مضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ مضافٌ إليه، (قد) حَرْفُ تحقيقٍ، (كانَ) فعلٌ ماضٍ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (بعضُ الأعلامِ) ، (عَنْهُ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: نُقِلَ الآتِي، (نُقِلاَ) نُقِلَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ على (بعضُ الأعلامِ) ، والألفُ للإطلاقِ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبِ خبرِ كانَ، والجملةُ مِن كانَ ومَعْمُولَيْهَا لا مَحَلَّ لها؛ صِلَةُ الموصولِ.